خرج قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي مؤخرًا ليُطمئن المصريين بأنه «لا يملك شيئًا في مصر غير راتبه»، وهي جملة واحدة كانت كافية لإشعال موجة ساخرة واسعة النطاق على منصات التواصل الاجتماعي، سرعان ما تحولت إلى موجة تشكيك شعبية في ادعاء يرى كثيرون أنه يتناقض جذريًا مع مشاهد القصور والطائرات والساعات الفاخرة والشركات الضخمة.

وجاء هذا الادعاء أيضًا في لحظة حرجة، إذ يتصاعد الضغط الاقتصادي على الأسر المصرية في ظل تضخم بلغ 13.4% في فبراير، وقرارات رفعت أسعار الوقود والغذاء، بينما يُقال للمواطن إن قائده لا يملك في الدولة سوى راتبه.

 

ولم يمرّ الادعاء مرور الكرام. فقد رصدت منصة "إكس" موجة تعليقات متلاحقة من نشطاء ومدونين ومصريين عاديين ومعارضين، يتساءلون جميعًا: من أين جاءت القصور والطائرات والساعات التي تبلغ قيمتها مئات الآلاف من الجنيهات؟ ومن يملك شركة العاصمة الإدارية التي تؤجر مبانيها للحكومة مقابل ما بين 7 و10 مليارات جنيه سنويًا؟

 

جملة واحدة واشتعل "تويتر"

 

بمجرد تداول تصريح السيسي بدأت ردود الفعل تتصاعد بسرعة، وكان أكثرها حدة ما جمع بين مشاهد اعتُبرت دليلًا ماثلًا أمام الجمهور وبين الجملة التي أطلقها بنفسه.

 

كتب محمود المصري ساخرًا في إشارة إلى كلام السيسي القديم: «مش هو اللي قال أنا حبني قصور وحبني»

 

 

وتساءل أحمد في استغراب مباشر: «مرتبك؟ والقصور والطيارات»

 

 

وكتب ياسين بلغة الأرقام الصادمة: «الساعات التي يلبسها تكفي مصر سنة كاملة. من أين جاء بها؟»

 

 

وتساءلت رو في تعليق لافت عن "طيارة الذهب": «ممكن بس حد يعرفني طيارة الدهب فين؟؟؟»

 

 

أما حور فذهبت إلى ما هو أبعد: «صح المليارات والذهب اتهرب في طيارات زامبيا ومنها إلى دبي»

 

 

وشاركت "الحرية" مباشرة بالرفض: «أنت بتكدب يا بلحه ومفيش أسخف ولا أسوأ من ظهورك وكلامك، حاجة مستفزة ومحبطة وكئيبة»

 

 

الساعة والشنطة والقصر.. من يدفع؟

 

ما جعل ردود الفعل تكتسب زخمًا أكبر من مجرد تعليق عابر هو أن السجل البصري المتداول على الإنترنت يبدو متعارضًا صراحة مع هذا الادعاء. فمنذ سنوات رصد ناشطون ساعة "باتك فيليب" السويسرية التي تبدأ أسعارها من 30 ألف دولار وقد تتجاوز 85 ألف دولار، وساعة "هاري وينستون" التي قُدرت بنحو 600 ألف جنيه وقت تداولها، وكلاهما ظهرا في مناسبات رسمية على معصم رجل يقول إنه لا يملك سوى راتبه.

 

أحصى إبراهيم يوسف هذه التناقضات بدقة: «السيسي بيقول مفيش غير راتبه الـ42 ألف جنيه، ونصفه بيتبرع بيه لتحيا مصر، بس ساعته باتيك فيليب بنص مليون جنيه و"هاري وينستون" بـ600 ألف، وشنطة مراته غوتشي بـ1500 دولار! إحنا فقرا قوي، الشعب بيتقشف والرئيس بيلبس علامات فاخرة من عمولات صفقات السلاح اللي بلغت مليارات»

 

 

ولم يفوّت حمادة الفرصة لطرح السؤال بشكل أكثر حدة: «ياريت حد يقول له سؤالي: كم يبلغ مرتبه؟ وهل مرتبه يستطيع إنشاء القصور وشراء "ملكة السماء" وتكاليف خدمتها؟ طيب الحلق اللي في ودن انتصار جابه من مرتبه؟»

 

 

ووضع حساب "تليسكوب تويتر" الإصبع على ملف آخر بالغ الحساسية: «اومال مين يمتلك شركة العاصمة الإدارية التي تؤجر المباني للحكومة وبيسرق من الشعب كل سنة 10 مليار جنيه!!»

 

 

وهذا السؤال ليس بلا سند. فالسيسي نفسه أكد في ديسمبر 2024 أن شركة العاصمة الإدارية تؤجر المنشآت الحكومية بما يتراوح بين 7 و10 مليارات جنيه سنويًا، وأن حساباتها في البنوك وصلت إلى 80 مليار جنيه، فضلًا عن مستحقات من المطورين العقاريين قد تصل إلى 150 مليار جنيه. والسؤال المطروح بإلحاح في ردود الفعل هو: من يملك هذه الشركة؟ ولصالح من تتراكم هذه الأرقام؟

 

قانون يُلزمه.. والدستور يُصمت

 

الجانب الأكثر إحراجًا في الملف كله ليس التناقض البصري فقط، بل التناقض القانوني أيضًا. فالمادة 145 من الدستور المصري تُلزم رئيس الجمهورية بعدم مزاولة أي مهن حرة أو أعمال تجارية أو صناعية خلال فترة توليه المنصب، كما تُلزمه بالإفصاح عن الذمة المالية قبل الترشح وبعده، وهو ما لم يلتزم به السيسي في أي من ترشحاته الثلاث، وفق ما وثّقه موقع "مدى مصر" بالأرقام والإجراءات. بل أكثر من ذلك، رفضت اللجنة المشرفة على الانتخابات في 2018 الإفصاح عن إقرار الذمة المالية الذي قدّمه ضمن أوراق ترشحه.

 

هذه ليست مجرد تفاصيل قانونية جافة، بل تعني أن المواطن المصري لا يعرف رسميًا ما الذي يملكه رئيسه، بينما يُطالَب هو بتحمل أعباء قرارات رفعت الأسعار وكلفة المعيشة باسم "ضيق الموارد". ويرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن الثقة الاقتصادية لا تتحقق إلا بشفافية كاملة، وأن غياب آليات الرقابة والمساءلة يُعرقل في الأساس أي إصلاح اقتصادي حقيقي. وبالترجمة المباشرة لهذا الرأي على السياق الراهن: كيف يُصدّق المواطن وعودًا بحزمة اجتماعية من حكومة لا تكشف حتى عن الذمة المالية لرأسها؟

 

ولفت رشاد عبده إلى أن فعالية أي سياسة اقتصادية تعتمد بشكل مباشر على درجة الثقة بين المواطن والدولة، وأن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش تُضعف هذه الثقة بشكل مزمن وتجعل الناس أقل استعدادًا للتصديق. وفي السياق نفسه، يقول هاني توفيق إن بيئة الاستثمار لا تتحسن إلا في ظل مؤسسات شفافة وحوكمة حقيقية، مؤكدًا أن "طغيان" بعض الجهات الحكومية على مصالح القطاع الخاص يُعيق أي نمو مستدام. وهذا الطرح يمس مباشرة النموذج الذي تشير إليه التساؤلات المتداولة: شركات ترتبط بالجهاز العسكري وتعمل في الفضاء الاقتصادي بمنطق مختلف تمامًا عن منطق السوق والمنافسة والمساءلة.

 

في النهاية، يكشف هذا الموقف بأسره عن معادلة مثيرة للتساؤل: رئيس يقول «لا أملك سوى راتبي» في بلد يعاني من تضخم وغلاء وتآكل متزامن في مدخرات الطبقة الوسطى، بينما تتراكم حوله أسئلة موثقة عن قصور وطائرات وساعات وشركات وأرقام لا تتناسب مع حساب يبلغ 42 ألف جنيه يُعلن التبرع بنصفه.

 

 

هذه التناقضات لم تعد مجرد سخرية إنترنتية عابرة، بل باتت وثيقة شعبية متراكمة تواجه الخطاب الرسمي بما يراه الناس أمامهم يوميًا، وتطرح السؤال الذي لم تجب عنه الحكومة حتى الآن: إذا كان الرئيس لا يملك سوى راتبه، فمن يملك الباقي؟