جاءت تصريحات قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية كواحدة من أكثر اللحظات السياسية دلالة في خطابه العام خلال الفترة الأخيرة، حين قال إن مشكلة مصر قد لا تُحل “إما لأننا غير قادرين كمسؤولين أو لأن حجم المشكلة ضخم”.
هذه العبارة لم تبدُ مجرد توصيف عابر للأزمة، بل بدت أقرب إلى اعتراف صريح بأن السلطة التي احتكرت القرار لسنوات طويلة لم تتمكن من تقديم حل حقيقي للأزمات التي وعدت بحسمها.
فبعد أكثر من عقد من الحكم، لم يعد ممكنًا تسويق المأزق المصري باعتباره نتيجة ظرف استثنائي مؤقت، بينما تستمر الأعباء الاقتصادية والاجتماعية في التفاقم على نحو يلمسه المواطن يوميًا.
خطاب الاعتراف لا يعفي من المسؤولية
المفارقة أن السيسي لم يتحدث هذه المرة بلغة الانتصار أو الاكتفاء بتكرار شعارات الصمود، بل اقترب من الإقرار بأن الدولة لم تنجح في تجاوز أزمتها الأساسية.
لكن هذا الاعتراف، بدل أن يُحسب ميزة سياسية، يضع النظام أمام سؤال مباشر: من المسؤول عن تعثر الحل إذا كان القرار السياسي والاقتصادي متمركزًا بهذا الشكل في يد السلطة نفسها منذ سنوات؟
إذ لا يمكن بعد كل هذا الوقت إرجاع المأزق فقط إلى “عظم المشكلة”، بينما تشير الوقائع إلى أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يرتبط بطريقة الإدارة، وأولويات الإنفاق، والرهان المستمر على القروض والمشروعات الكبرى دون عائد اجتماعي متوازن.
وفي هذا السياق، يطرح الخبير الاقتصادي ممدوح الولي نقدًا شديد الوضوح، إذ يعتبر أن الأزمة المصرية ليست مجرد نتيجة ضغوط خارجية، بل ثمرة نموذج اقتصادي توسع في الاستدانة وبيع الأصول دون بناء قاعدة إنتاجية صلبة.
وتبرز أهمية هذا الرأي في أنه يحمّل السلطة مسؤولية الخيارات نفسها، لا نتائجها فقط، خصوصًا مع تحذيرات منشورة من أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي تجاوزت مستويات مقلقة، بما يجعل الحديث عن “الإصلاح” منفصلًا عن الواقع الذي يزداد هشاشة.
من هنا، تبدو تصريحات السيسي اعترافًا متأخرًا بإخفاق لا يمكن عزله عن بنية الحكم التي صاغها بنفسه وأدارها لسنوات.
اقتصاد يضغط على الناس لا على الورق
ورغم الحديث الرسمي المتكرر عن الصلابة والقدرة على تجاوز التحديات، فإن الأرقام تكشف أن الأزمة ما تزال تضرب الحياة اليومية للمصريين بشكل مباشر.
فقد ارتفع معدل التضخم السنوي في المدن إلى 13.4% في فبراير 2026 مقابل 11.9% في يناير، كما صعد معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 12.7%، ما يعكس استمرار الضغوط السعرية وعدم تحقق انفراجة معيشية حقيقية.
وهذه المؤشرات لا تعني فقط غلاءً متواصلًا، بل تعني أيضًا تآكلًا مستمرًا في دخول الأسر، وتراجعًا في قدرة السلطة على إقناع الناس بأنهم يقتربون فعلًا من نهاية الأزمة.
ويعزز الباحث والمحلل الاقتصادي علاء بيومي هذا الاتجاه النقدي حين يلفت في تحليلاته إلى أن عبء القروض الخارجية ما يزال أحد أخطر القيود على الاقتصاد المصري، وأن تحسن بعض المؤشرات الجزئية لا يلغي الطبيعة البنيوية للمشكلة.
فالأزمة لم تعد مجرد نقص سيولة عابر، بل صارت نمطًا اقتصاديًا قائمًا على الاقتراض المتكرر لتجاوز أزمات يخلقها الاقتراض نفسه.
وعندما تتحول خدمة الدين إلى أولوية تتقدم على الاحتياجات الاجتماعية والتنموية، يصبح الحديث عن النجاح الإداري فاقدًا للكثير من معناه السياسي والإنساني.
ثمار غائبة وشرعية متآكلة
الوجه السياسي الأكثر خطورة في تصريحات السيسي هو أنها تضرب، من حيث لا يريد الخطاب الرسمي، الرواية التي قدّم بها النظام نفسه منذ 2014 بوصفه سلطة الحسم والقدرة والإنجاز.
فإذا كانت المشكلات الكبرى ما تزال قائمة، وإذا كان رأس السلطة نفسه يقول إن المسؤولين قد لا يكونون قادرين على الحل، فإن هذا يبدد جزءًا أساسيًا من شرعية الأداء التي طالما رُوّج لها باعتبارها البديل عن الفوضى والارتباك.
هنا لا يعود النقد معارضًا بالمعنى التقليدي فقط، بل يصبح قائمًا على مقارنة صارمة بين الوعود الثقيلة والنتائج المحدودة.
وفي هذا الإطار، تبدو ملاحظة الكاتب والإعلامي مجدي الجلاد لافتة، حين أشار إلى أن المواطن كان ينتظر أن تكون 2026 بداية جني ثمار الإصلاح الاقتصادي، لكنه فوجئ بأعباء وضرائب جديدة.
هذه الفكرة تصيب جوهر الأزمة السياسية: الناس لا تحاسب السلطة على البلاغة، بل على الأثر المباشر في حياتها، وعلى قدرتها في تحويل سنوات التقشف إلى تحسن ملموس لا إلى جولة جديدة من التحمل الإجباري.
لذلك فإن تصريحات السيسي لا تكشف فقط حجم الأزمة، بل تكشف أيضًا اتساع الفجوة بين خطاب الدولة وبين شعور المواطنين بأنهم يدفعون الكلفة وحدهم.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة كلمة السيسي في إفطار الأسرة المصرية باعتبارها مجرد دعوة للصبر أو التماسك الوطني، بل بوصفها لحظة سياسية كاشفة لحصيلة حكم ما تزال تطلب من المصريين مزيدًا من الاحتمال، بعد سنوات طويلة من الوعود المؤجلة.
وبين انتقادات ممدوح الولي لسياسات الدين وبيع الأصول، وتحذيرات علاء بيومي من ثقل القروض، وإشارة مجدي الجلاد إلى غياب ثمار الإصلاح، يتأكد أن المأزق لم يعد في “ضخامة المشكلة” فقط، بل في نظام حكم لم ينجح حتى الآن في إقناع الناس بأنه يملك فعلًا طريق الخروج منها.

