يتواصل التصعيد العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان عبر غارات جوية مكثفة وتوغل بري متدرج، بالتزامن مع مواجهات مفتوحة مع حزب الله الذي يرد بقصف صاروخي يصل إلى عمق إسرائيل. في هذا السياق، برز استهداف الجسور فوق نهر الليطاني كتحول ميداني خطير، يهدد بعزل مناطق واسعة ويضع المدنيين أمام أزمة إنسانية متفاقمة.
الجسور تحت النار وخطة العزل الجغرافي
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس توجيه أوامر بتدمير جميع الجسور فوق نهر الليطاني. هذا القرار انعكس سريعًا على الأرض. غارات استهدفت جسر القعقعية، أحد أبرز المعابر في المنطقة الوسطى للنهر، ويربط بين النبطية وبنت جبيل. كما سبق ذلك قصف جسر القاسمية الذي يربط صيدا بمدينة صور، وهو شريان حيوي على الطريق الساحلي.
الضربات طالت أيضًا جسر الزرارية الذي يربط بين بلدات حيوية في الجنوب، بعد أيام من استهدافه جزئيًا. هذه الجسور ليست مجرد منشآت، بل ممرات أساسية لحركة المدنيين والبضائع. تدميرها يحد من التنقل ويعطل سلاسل الإمداد في مناطق تعاني أصلًا من ضغط عسكري مستمر.
الخبير العسكري العميد المتقاعد محمود خلف يرى أن استهداف الجسور يشير إلى نية واضحة لعزل جنوب الليطاني ميدانيًا. يوضح أن هذا التكتيك يستخدم لتقييد حركة الخصم، لكنه ينعكس مباشرة على المدنيين. ويضيف أن تعطيل البنية التحتية بهذا الشكل يوسع نطاق الأزمة خارج ساحة القتال.
تشمل قائمة الجسور المستهدفة أو المهددة أيضًا جسر الخردلي، الذي يصل النبطية بمرجعيون، وجسر الدلافة أو طيرفلسيه، الذي يمثل رابطًا مهمًا بين الساحل والداخل. هذه الشبكة تشكل العمود الفقري للحركة في الجنوب، واستهدافها المتكرر يعيد رسم خريطة التنقل بشكل قسري.
أبعاد إنسانية وضغوط متصاعدة على المدنيين
القصف المتواصل طال بلدات مثل الريحان وسحمر والشهابية، وسط توسيع نطاق استهداف البنية التحتية. هذه العمليات تأتي في وقت يعيش فيه أكثر من 1 مليون شخص حالة نزوح، بينهم 130 ألف داخل أكثر من 600 مركز إيواء جماعي، وفق بيانات رسمية لبنانية.
الغارات أسفرت عن سقوط أكثر من 1000 قتيل، بينهم أطفال، ما يعكس حجم التأثير المباشر على السكان. تدمير الجسور يزيد من صعوبة وصول الغذاء والدواء، خاصة في المناطق الواقعة جنوب الليطاني، التي قد تصبح شبه معزولة في حال استمرار الاستهداف.
الباحث في الشأن الإنساني الدكتور أحمد بدوي يؤكد أن عزل مناطق كاملة يخلق أزمة مركبة. يوضح أن فقدان طرق الإمداد يعني تراجع القدرة على الاستجابة الطبية والإنسانية. ويشير إلى أن مراكز الإيواء قد تواجه ضغطًا يفوق طاقتها خلال أسابيع قليلة إذا استمر الوضع الحالي.
في السياق نفسه، قال رمزي قيس من هيومن رايتس ووتش إن القانون الدولي يلزم الأطراف المسلحة بمراعاة الأضرار التي تلحق بالمدنيين عند استهداف البنية التحتية. وأوضح أن عزل جنوب الليطاني قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، مع صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان.
كما أشار إلى أن تدمير المنازل بشكل واسع في الجنوب قد يرقى إلى تدمير عشوائي، وهو ما يندرج ضمن جرائم الحرب وفق القانون الدولي. هذه التحذيرات تتقاطع مع تقارير ميدانية تتحدث عن تدهور سريع في الأوضاع المعيشية.
تصعيد إقليمي وردود دولية وتحذيرات قانونية
التطورات الميدانية تأتي ضمن سياق أوسع من التصعيد الإقليمي. الحرب التي اندلعت في 2 مارس بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة امتدت إلى لبنان بعد هجمات نفذها حزب الله. إسرائيل ردت بغارات كثيفة طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في العاصمة، إلى جانب الجنوب والبقاع.
رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير أعلن أن الجيش مستعد لعملية طويلة دفاعيًا وهجوميًا. هذا التصريح يعكس توقعات باستمرار العمليات لفترة ممتدة، ما يزيد من احتمالات تدهور الأوضاع الإنسانية في لبنان.
على المستوى الدولي، أدانت إسبانيا التصريحات الإسرائيلية بشأن استهداف الجسور والبنية التحتية. وزارة الخارجية الإسبانية اعتبرت أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، مؤكدة أن المنشآت المدنية لا يمكن اعتبارها أهدافًا عسكرية.
الخبير في القانون الدولي الدكتور حازم الببلاوي يوضح أن استهداف البنية التحتية المدنية يخضع لمعايير صارمة. يشير إلى أن مبدأ التناسب يفرض تجنب إلحاق أضرار واسعة بالمدنيين حتى في حال وجود أهداف عسكرية. ويؤكد أن التدمير واسع النطاق قد يفتح الباب لمساءلة قانونية دولية.
إسبانيا دعت المجتمع الدولي إلى التحرك لمنع الإفلات من العقاب، وشددت على ضرورة دعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه. هذه الدعوات تعكس قلقًا متزايدًا من تحول العمليات العسكرية إلى نمط يستهدف مقومات الحياة الأساسية، وليس فقط الأهداف العسكرية المباشرة.
في المحصلة، استهداف جسور الليطاني يمثل نقطة تحول في مسار العمليات. التأثير يتجاوز البعد العسكري إلى تداعيات إنسانية وقانونية معقدة. ومع استمرار القصف واتساع رقعة النزوح، يبقى المدنيون في قلب أزمة مفتوحة دون أفق واضح للحل.

