لم يعد التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يدور فقط حول الصواريخ والقواعد والردع العسكري المباشر. التهديدات انتقلت إلى عمود الاقتصاد نفسه: الكهرباء، الغاز، والممرات البحرية التي تعبر منها شحنات النفط والغاز.

الحرس الثوري الإيراني أعلن بوضوح أن أي استهداف لشبكات الكهرباء الإيرانية سيقابله استهداف لمحطات توليد الكهرباء في إسرائيل، وللمنشآت التي تمد القواعد الأميركية بالطاقة في المنطقة.

وفي المقابل، كانت واشنطن قد لوحت بضرب محطات الكهرباء الإيرانية إذا لم يُفتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة. هذا هو جوهر الجولة الجديدة: حرب على البنية التحتية، لا على الجبهات فقط.

 

اللغة التي خرج بها الحرس الثوري لا تحتمل التأويل.

المعادلة المطروحة صارت “كهرباء مقابل كهرباء”. البيان الإيراني لم يتحدث عن رد رمزي أو محسوب في الأطراف، بل عن ضرب مباشر لمنشآت الطاقة لدى الخصوم، بما فيها المنشآت التي تغذي قواعد أميركية في الإقليم.

هذا تطور نوعي في طبيعة التهديد، لأنه ينقل الصراع من منطق الردع التقليدي إلى استهداف العصب الاقتصادي ومرافق التشغيل اليومية للدول.

 

طهران ترفع السقف ثم تعيد رسم الهدف

 

ورغم حدة البيان، حمل الموقف الإيراني تراجعًا واضحًا عن تهديدات سابقة طالت محطات تحلية المياه في الخليج.

رويترز نقلت أن الرسالة الإيرانية الأحدث بدت كأنها تتراجع عن استهداف منشآت التحلية، وتعيد تركيز التهديد على الكهرباء والطاقة بدلًا من مصادر المياه التي تمس المدنيين مباشرة.

هذا ليس تراجعًا إنسانيًا كاملًا. لكنه إعادة ضبط لساحة الاستهداف، وتحديد لأولويات الضرب.

 

المغزى هنا عملي ومباشر. طهران تريد أن تقول إنها قادرة على الرد، لكنها لا تريد أن تبدأ من هدف يفتح عليها اتهامًا فوريًا باستهداف مورد الحياة الأول في الخليج.

لذلك وضعت الطاقة في الصدارة. الكهرباء، الحقول، محطات التوليد، والممرات المرتبطة بالإمداد.

هذا الاختيار لا يخفف الخطر. بل يجعله أكثر تنظيمًا وأشد تأثيرًا على الاقتصاد الإقليمي والدولي.

 

وتفسير ذلك ليس معقدًا. قطاع الطاقة بالنسبة لإيران ليس ملفًا تقنيًا. إنه خط أحمر اقتصادي وسياسي معًا.

حقل جنوب فارس وحده يوفر ما بين 70% و80% من الغاز الإيراني المستخدم داخليًا في التدفئة وتوليد الكهرباء والصناعات البتروكيماوية، وقد أصبح بالفعل في قلب التصعيد بعد ضربه خلال الأيام الماضية.

أي تهديد لهذا القطاع يعني تهديد الداخل الإيراني نفسه، وليس فقط نفوذ طهران الإقليمي.

 

في هذا السياق، جاءت إفادة المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول كإشارة إنذار لا تحتمل التهوين.

بيرول قال إن الحرب تمثل “تهديدًا كبيرًا جدًا” للاقتصاد العالمي، وإن الخسائر في النفط تجاوزت 11 مليون برميل يوميًا، بينما بلغ فقدان إمدادات الغاز 140 مليار متر مكعب، بما يفوق صدمات سابقة كأزمتي السبعينيات وحرب أوكرانيا.

المعنى واضح: استهداف الطاقة لم يعد خطرًا إقليميًا فقط، بل صار أزمة عالمية مفتوحة.

 

واشنطن والخليج تحت ضغط مزدوج

 

على الجانب الأميركي والخليجي، القلق لم يعد خافيًا. التهديد الإيراني طال منشآت تمد قواعد أميركية بالطاقة، والدول الخليجية تعتمد أصلًا على استقرار البنية التحتية للطاقة والملاحة في هرمز.

هذا يضع واشنطن أمام مأزق مزدوج: حماية قواعدها ومصالحها العسكرية، ومنع انهيار أوسع في إمدادات الطاقة وسلاسل النقل. وتأجيل واشنطن ضرب محطات الكهرباء الإيرانية 5 أيام، بدل تنفيذ التهديد فورًا، يعكس أن القرار العسكري هنا محكوم أيضًا بحسابات السوق والاقتصاد العالمي، لا بالردع وحده.

 

حجم الارتباك يظهر في الأرقام. رويترز نقلت أن استمرار الاضطراب في هرمز والهجمات على مرافق الطاقة دفع “غولدمان ساكس” إلى رفع متوسط توقعاته لخام برنت في 2026 إلى 85 دولارًا، مع متوسط متوقع عند 110 دولارًا في مارس-أبريل، وسيناريو مخاطرة قد يصل إلى 135 دولارًا إذا طال التعطل 10 أسابيع وتزامن مع فقدان إنتاج مستمر بنحو 2 مليون برميل يوميًا.

هذه ليست مبالغات سياسية. هذه تقديرات سوق تتعامل مع خطر فعلي على المعروض.

 

ومن جهة القانون الدولي، فإن استهداف الكهرباء ليس تفصيلًا عسكريًا عابرًا.

الخبير القانوني مايكل شميت أوضح أن ضرب البنية الكهربائية قد يكون مشروعًا فقط إذا حقق ميزة عسكرية محددة ومباشرة، وبشرط مراعاة التناسب وتقليل الأذى اللاحق بالمدنيين، بما في ذلك الأثر غير المباشر لانقطاع الكهرباء.

بهذا المعنى، التهديدات السياسية العامة بضرب محطات الكهرباء لا تكفي وحدها لتبرير الفعل عسكريًا أو قانونيًا. أي ضربة من هذا النوع ستبقى تحت اختبار الضرورة والتناسب، لا تحت عناوين الانتقام المتبادل.

 

هرمز ورقة الخنق الأخطر

 

النتيجة التي تفرض نفسها الآن أن الحرب تتجه إلى صيغة إيلام اقتصادي صريح.

استهداف الطاقة لا يعني فقط تعطيل منشأة. يعني تعطل سلاسل الإمداد، قفزات في الأسعار، ضغوطًا تضخمية، وتهديدًا مباشرًا للدول التي تعتمد على النفط والغاز كمصدر دخل وتشغيل.

صندوق النقد الدولي حذر بدوره من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب قد يرفع التضخم ويخفض النمو العالمي، مع أثر يصل إلى 0.2% من الناتج العالمي إذا طال أمد الصدمة.

 

هنا يعود مضيق هرمز إلى قلب الصورة. المضيق يمر عبره نحو 20% من تدفقات النفط والغاز المسال عالميًا، وأي تعطل طويل فيه يحول التهديد إلى خنق فعلي للسوق.

إيران أعلنت أنها قد تغلق هرمز بالكامل إذا نُفذت التهديدات الأميركية ضد منشآتها، بينما لوحت واشنطن بفتح المضيق بالقوة قبل أن تؤجل الضربة. الصراع هنا لم يعد على ممر بحري فقط. بل على مفتاح الطاقة العالمي نفسه.

 

ويكفي هنا تحذير ثالث من خبير سوقي مباشر. نيل ويلسون، كبير محللي الأسواق في “ساكسو بنك”، قال إن المنطقة دخلت ما يشبه “حلقة تصعيد كارثية”، حيث لا يبدو أي طرف مستعدًا للتراجع لأن كلفة التراجع السياسي أصبحت مرتفعة، فيما ترتفع كلفة الحرب الاقتصادية على العالم كله.

هذه هي الصورة الآن من دون زخرفة: الكهرباء صارت هدفًا، وهرمز صار أداة ابتزاز متبادل، والمنطقة تُدفع إلى حرب تضرب مصادر الدخل والحياة معًا.