تستعد لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب لمناقشة مشروع الموازنة العامة للعام المالي 2026-2027 فور وروده من الحكومة، بعد اقترابها من إنهاء مراجعة الحساب الختامي لموازنة 2024-2025 خلال النصف الأول من أبريل. لكن المعضلة لم تعد إجرائية.

المعضلة في مضمون موازنة تدخل البرلمان وسط ضغط خارجي يتصاعد، من قفزة فاتورة الطاقة إلى اضطراب التجارة وسعر الصرف، ووسط ضغط داخلي لا يقل قسوة، من ضعف الحصيلة الهيكلية إلى عجز مزمن ودين يلتهم الحيز المالي. رئيس اللجنة محمد سليمان قال إن المؤشرات “متوقعة”، لكنه أقر في الوقت نفسه باستمرار الضغوط الاقتصادية، وهي عبارة تبدو أقل كثيرًا من حجم الأزمة التي تواجهها المالية العامة الآن.

 

البرلمان يقترب من المناقشة.. لكن الأرقام تدخل في مناخ أكثر قسوة

 

محمد سليمان، رئيس لجنة الخطة والموازنة، أعلن أن اللجنة أوشكت على إنهاء مناقشة الحساب الختامي لموازنة 2024-2025، وأنها ستبدأ مناقشة موازنة 2026-2027 فور وصولها، مع استمرار مراجعة أجهزة الموازنة والهيئات الاقتصادية حتى النصف الأول من أبريل. التصريح في ظاهره روتيني. لكن مضمونه يكشف أن البرلمان يستعد لفحص مشروع مالي جديد قبل أن تتراجع الضغوط التي أثقلت الموازنة السابقة أصلًا.

 

المشهد المالي المصري لا يتحرك في فراغ. صندوق النقد الدولي قال في مراجعته الأخيرة إن “الوضع الاقتصادي الكلي تحسن” بفضل سياسات التثبيت، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل الإجمالية ما زالا يضغطان على الحيز المالي ويقيدان فرص النمو على المدى المتوسط، كما أشار إلى أن الإصلاحات الهيكلية تسير بوتيرة غير متكافئة. هذا التوصيف ينسف أي انطباع بأن مناقشة الموازنة المقبلة ستكون مجرد تمرين محاسبي عادي.

 

الخبير الاقتصادي مدحت نافع يضع يده على النقطة الأكثر إزعاجًا. في مقابلة منشورة في 2 مارس، قال إن المؤشرات الكلية قد تتحسن خلال 2026، لكن “الأعطاب الهيكلية” لا تزال تمسك بخناق الاستدامة، وعلى رأسها العجز التوأم وعجز التجارة. نافع وصف خدمة الدين الخارجي المتوقعة في 2026 بأنها “موازنة لوحدها”، مع حديثه عن دين خارجي يقارب 161 مليار دولار، ودين داخلي يقترب من 11 تريليون جنيه في آخر إحصاء متاح. هذا ليس جدلًا نظريًا. هذا هو السقف الحقيقي الذي ستتحرك تحته أي موازنة جديدة.

 

صدمات الحرب والطاقة والدولار تدفع الموازنة إلى حافة أضيق

 

أخطر ما يواجه موازنة 2026-2027 الآن ليس فقط عجز الداخل، بل اتساع فاتورة الخارج. رويترز نقلت في 18 مارس أن فاتورة واردات الطاقة المصرية الشهرية قفزت من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار لنفس الكميات تقريبًا، مع ارتفاع أسعار النفط من 69 دولارًا إلى 108.50 دولار للبرميل بعد الحرب في الإقليم. كما قدّر معهد التمويل الدولي أن ارتفاع النفط يمكن أن يرفع الإنفاق المصري بما بين 0.2% و0.55% من الناتج المحلي. هذه أرقام تضرب الموازنة قبل أن تُقر.

 

ولا يتوقف الضغط عند الطاقة فقط. تقرير صندوق النقد عن مصر أشار إلى أن اضطرابات البحر الأحمر خفضت تدفقات النقد الأجنبي من قناة السويس بنحو 6 مليارات دولار في 2024، مع بقاء أحجام العبور عند نحو ثلث مستويات ما قبل الأزمة. هذا يعني أن أحد أهم روافد العملة الصعبة تراجع، في نفس الوقت الذي ترتفع فيه كلفة الاستيراد. النتيجة المباشرة أن الموازنة تصبح أكثر تعرضًا لتقلبات لا تملك الحكومة السيطرة عليها.

 

الخبير الاقتصادي أحمد خزيم قال في مارس إن استمرار الحرب يهدد بزيادة فاتورة الطاقة على مصر ويجعل تقدير كلفة الدعم أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع اعتماد الحكومة على استيراد كميات كبيرة من الوقود والقمح، بحيث ينعكس أي تغير في الأسعار العالمية أو في سعر الصرف مباشرة على بنود الدعم. هذا التقدير ينسجم مع ما قاله سليمان عن أثر الصراعات الإقليمية وارتفاع الدولار على الموازنة، لكنه يضيف ما هو أوضح: الحكومة تدخل مشروعها المالي من دون أرضية مستقرة للأسعار أو للتكلفة.

 

حتى الخطاب الحكومي نفسه لم يقدم حتى الآن صورة مكتملة. تقارير محلية عن مراجعة التقديرات الأولية للموازنة قالت إن الحكومة تحدثت عن الانضباط المالي، والصحة والتعليم، والحماية الاجتماعية، لكنها لم تكشف أرقامًا حاسمة في أبواب أساسية، خاصة الدعم ومصادر التمويل والعجز النهائي. وحين تغيب التفاصيل في ملف بهذه الحساسية، يصبح البرلمان أمام وثيقة أقرب إلى اتجاهات عامة من كونها حسابًا ماليًا محكمًا.

 

العبء الداخلي لا يقل خطرًا.. دين وضريبة ودعم تحت الاختبار

 

الضغوط الداخلية ليست أقل قسوة من العوامل الخارجية. رويترز أشارت إلى أن مصر ما زالت تواجه اقتصادًا مثقلًا بالديون، وأن الفائدة تستهلك ما يقرب من نصف الإنفاق الحكومي، في وقت أضيفت إليه تدفقات خارجة من أدوات الدين وضغوط على الجنيه تجاوز معها سعر الدولار 52 جنيهًا في مارس. هذه الخلفية تجعل أي حديث عن استقرار مالي سريع أقرب إلى التمني منه إلى التوقع الواقعي.

 

وائل النحاس، خبير التمويل والاستثمار، قال إن الحكومة تمضي أساسًا في مسار “غلق ملفات” الإصلاح الهيكلي والمالي مع صندوق النقد، بما يشمل عجز الموازنة والدعم وسعر الصرف، وحذر من أن المواطنين قد يواجهون “موجة من الارتفاعات” قبل نهاية البرنامج في أكتوبر. هذه الشهادة مهمة لأنها تربط بين الموازنة القادمة وبين الالتزامات الخارجية التي ستضغط على قرارات الدعم والأسعار، لا بين بنود الإنفاق وحدها.

 

ومن زاوية أخرى، قال خالد الشافعي إن الاقتصاد يمثل أولوية قصوى، وإن أي تحول في منظومة الدعم يجب أن يضمن أن تصل قيمة الدعم النقدي بما يوازي ما كان يحصل عليه المواطن من الدعم العيني، وإلا ستكون “كارثة”. هذا الكلام لا يخص ملف الدعم فقط. يخص الموازنة كلها. لأن أي محاولة لخفض العجز عبر تقليص دعم غير محسوب ستعني نقل الأزمة من دفاتر وزارة المالية إلى موائد الأسر مباشرة.

 

الخلاصة التي تفرضها الوقائع أن موازنة 2026-2027 تصل إلى البرلمان محاصرة من كل اتجاه. رئيس اللجنة يتحدث عن مراجعة تسبق المناقشة. صندوق النقد يحذر من دين مرتفع وحيز مالي ضيق. أسعار الطاقة تضاعف فاتورة الاستيراد. قناة السويس لم تتعافَ. وسوق الدين لا يزال هشًا أمام أي صدمة. لذلك لا تبدو القضية في قدرة النواب على مناقشة الموازنة فقط، بل في قدرة الحكومة أصلًا على تقديم موازنة لا تنهار فرضياتها مع أول قفزة جديدة في النفط أو الدولار أو كلفة التمويل.