استحوذ الموقف المصري من الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، اهتمام الخبراء والمحللين، في ظل موجة من الغضب بين الإعلاميين والمعلقين في دول الخليج التي استهدفتها طهران بالقصف الصاروخي والطائرات المسيرة. 

 

وسلط آفي ميلاميد، المحلل الاستخباراتي الاستراتيجي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، مؤسس معهد "إنسايد ذا ميدل إيست" (ITME)، الضوء على دعاء خطيب العيد في حضور قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي الذي أثار ردود فعل واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي في مصر والدول العربية، والذي أجّج التوترات- على خلفية الحرب مع إيران - بين مصر ودول الخليج العربي. 

 

ضجة كبيرة بسبب خطبة العيد 

 

وقال الخطيب في الدعاء: "اللهم يا رب بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها وبالسر الكامن فيها لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك"، مما أثار ضجة كبيرة، لأنه يمسّ بشكل مباشر أحد أكثر الأمور حساسية في المنطقة: الانقسام السني الشيعي. فالغالبية العظمى من المصريين - كمعظم العرب - هم من المسلمين السنة. 

 

وقال ميلاميد إن ما أثار غضب الكثير من السنة على وجه الخصوص هو عبارة "السر الكامن فيها"، مفسرًا هذا الغضب بأن فاطمة هي ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وزوجة علي بن أبي طالب، رابع الخلفاء الراشدين، الذي يُعتبر في المذهب الشيعي الإثني عشري، الإمام الأول في سلسلة الأئمة الاثني عشر. 

 

وأضاف: "ينبع مفهوم "سر فاطمة" من المذهب الشيعي. وقد أثار اختيار أحد كبار الدعاة السنيين في أكبر دولة عربية، في خطبة احتفالية، لهذه العبارات الشيعية غضبًا واسعًا في العالم العربي، ولا سيما في مصر".

 

وأشار إلى أن ردود الفعل تكشف عن التوترات التي ظهرت مؤخرًا بين مصر ودول الخليج في سياق الحرب. إذ إنه منذ اندلاع الحرب، كان واضحًا أن مصر تبذل جهدًا كبيرًا للبقاء على الحياد. وبعد أسبوعين تقريبًا من بدء الحرب، أعلنت مصر رسميًا انحيازها الكامل لدول الخليج العربي. 

 

وأثار هذا التأخير شعورًا بالقلق لدى دول الخليج، التي كانت تتوقع من مصر أن تقف إلى جانبها بوضوح منذ البداية. وحتى بعد إعلان مصر الرسمي، لم يهدأ استياء دول الخليج، إذ بدأت تظهر، إلى جانب الموقف المصري الرسمي، برزت تصريحات مصرية تُوحي ضمنيًا بنوع من "التفهم" للهجمات الإيرانية على الخليج.

 

واستشهد في هذا السياق بتصريحات لمدير مكتب رعاية المصالح المصرية الأسبق لدى إيران التي رأى فيها أن الضربات الإيرانية على دول الخليج كانت "دفاعًا عن النفس"، لأنها استهدفت قواعد أمريكية في تلك الدول. 

 

وكتب وزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى، أن الحرب ضد إيران مؤامرة إسرائيلية جرّت الولايات المتحدة إلى الصراع خدمةً لرؤية الهيمنة الإسرائيلية. وفي الخطاب العام المصري، اكتسبت عبارة: "هذه ليست حرب مصر"، زخمًا أيضًا.

 

إحباط وغضب في الخليج

 

وقال المحلل الإسرائيلي إن هذه التصريحات أدت إلى تفاقم الإحباط والغضب في منطقة الخليج، لا سيما وأن دول الخليج - وخاصة السعودية والإمارات وقطر - قدمت دعمًا كبيرًا للاقتصاد المصري المتعثر. فقد وقّعت الإمارات اتفاقية ضخمة بقيمة 25 مليار دولار لتطوير مدينة سياحية في مصر. وقدّمت قطر مساعدات طارئة بقيمة 3.5 مليار دولار. كما قدّمت السعودية قروضًا وضمانات قروض. ويعمل ملايين المصريين في دول الخليج.

 

وفي الخطاب العام الخليجي، تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة لموقف مصر، واتهمها البعض بالجحود. وفي المقابل، برزت رسالة أخرى في النقاشات الخليجية مفادها أن الاقتصاد المصري المتعثر ليس مسؤولية دول الخليج. وقد أدركت القيادة المصرية هذه الأصوات، فسارعت إلى احتواء الضرر. وقام عبدالفتاح السيسي بجولة سريعة في قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، مؤكدًا أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

 

ما هي الصلة المحتملة بين الخطبة والتوترات بين مصر ودول الخليج؟ 


قال ميلاميد، إن دعاء خطيب العيد يُطرح في الخطاب العربي على أنه لم يكن عفويًا، بل أُلقي بموافقة مسبقة من السلطات المصرية، وكان المقصود منه التعبير عن الاستياء تجاه ممالك الخليج التي تتعرض لهجوم إيراني، وهنا، يصبح التسلسل الزمني مثيرًا للاهتمام بشكل خاص.

 

وأعلنت الرئاسة المصرية الخميس 19 مارس أن السيسي قام بجولة في الخليج، على ما يبدو في اليوم نفسه. وألقى خطيب العيد، الخطبة صباح اليوم التالي، الجمعة 20 مارس، أول أيام عيد الفطر. وهذا يشير إلى أن صياغة الخطبة ربما تمت بعد زيارة السيسي.

 

وقال ميلاميد إن هذا يثير تساؤلاً هامًا: هل أشارت الخطبة إلى أن السيسي تلقى انتقادات لاذعة، وربما مهينة، من مضيفيه الخليجيين؟ هل كانت الخطبة وسيلةً للرد على الرسائل القاسية التي وُجهت إليه خلال الزيارة؟

 

وأوضح أن الجواب يكمن في فكرة مركزية يؤكد عليها كثيرًا فيما يتعلق بالشرق الأوسط: في السياسة العربية المعقدة، لا شيء مستحيل.

 

https://insidethemiddle-east.com/beneath-the-surface-egypt-the-gulf-and-the-war-with-iran-aitme-ep26/