لم تنتظر حكومات جنوب شرق آسيا انفجارا كاملا في محطات الوقود حتى تتحرك. خلال الأيام الأخيرة، سارعت الفلبين وتايلاند وفيتنام إلى إجراءات استثنائية لاحتواء صدمة الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، بعدما تحولت الحرب هناك إلى أزمة معيشية مباشرة في آسيا. خفض لاستهلاك الكهرباء. تقليص لأيام العمل. توسع في العمل عن بعد. دعم نقدي لسائقي النقل العام. ومرونة اضطرارية في معايير الوقود. هذه ليست سياسات رفاهية أو تحسين كفاءة. هذه سياسات دفاع أخير لدول تعرف أن اعتمادها على نفط الخليج يجعلها أول من يدفع ثمن أي اضطراب طويل في الإمدادات. صحيفة الجارديان رصدت هذا التحول بوضوح، بينما قالت وكالة الطاقة الدولية إن ما يجري يمثل أكبر تعطل في تاريخ سوق النفط العالمي.

 

الفلبين بدت الأكثر صراحة. الرئيس فرديناند ماركوس الابن قال إن بلاده “ضحية حرب ليست من اختيارها”، ثم مضى أبعد من الكلام. أُعلنت حالة طوارئ طاقة وطنية في 25 مارس 2026، وأُنشئت لجنة طوارئ لضمان توافر الوقود والغذاء والدواء والسلع الأساسية، مع أوامر بملاحقة الاحتكار والتلاعب في المعروض. الحكومة بدأت صرف 5000 بيزو لسائقي دراجات الأجرة والعاملين في النقل العام، وجرى اعتماد رحلات حافلات مجانية في بعض المدن للطلاب والعمال. هذه ليست تفاصيل جانبية. هي اعتراف رسمي بأن السوق وحده لم يعد قادرا على امتصاص الصدمة.

 

الفلبين تتراجع إلى وقود أردأ وتشتري وقتا لا حلا

 

الأزمة في الفلبين لم تقف عند حدود الدعم أو ترشيد الاستهلاك. وزارة الطاقة سمحت مؤقتا باستخدام وقود “يورو 2” الأرخص والأقل جودة والأعلى تلويثا، بعد أن كانت البلاد قد انتقلت منذ 2016 إلى معيار “يورو 4” الأنظف. القرار قُصر على مركبات موديل 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات الكهرباء، والنقل البحري، مع تعليمات صارمة بفصل التخزين والنقل والتوزيع بين النوعين. الفرق ليس تجميليا. وقود “يورو 4” يحتوي 50 جزءا في المليون من الكبريت، مقابل 500 جزء في المليون في “يورو 2”. أي أن الحكومة اختارت خفض جودة الوقود عمدا للحفاظ على استمرارية الإمداد.

 

هذا القرار جاء بعد خروج آلاف السائقين إلى الشوارع احتجاجا على تضاعف أسعار الديزل المحلية أكثر من مرة، وبعد منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو خفض ضرائب الوقود مؤقتا. كما قال ماركوس في رسالة مصورة إن حكومته تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة للإمدادات، بينما تستعد الفلبين لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات. المعنى هنا واضح: الدولة لا تعالج أزمة سوق عابرة، بل تبحث عن أي مصدر يخفف اختناق الإمداد ولو مؤقتا.

 

فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، وصف الأزمة الحالية بأنها أخطر تهديد للطاقة العالمية “في التاريخ”. هذا التوصيف ليس مبالغة إعلامية. لأن ما يحدث لا يضغط فقط على سعر البرميل، بل على سلاسل الشحن والتأمين والتكرير والنقل العام والميزانيات الحكومية في آن واحد. ولذلك بدت الفلبين وكأنها تشتري وقتا لا أكثر: تخفف الصدمة، لكنها لا تملك حتى الآن طريقا مستقرا للخروج منها.

 

تايلاند وفيتنام: ترشيد قاس وعمل مرن وخوف من ذعر السوق

 

في تايلاند، لجأت الحكومة إلى وصفة تقشف يومي مباشر. طلبت من المواطنين تقليل استخدام أجهزة التكييف، وحددت درجات الحرارة في المباني الحكومية بين 26 و27 درجة مئوية، وأوقفت معظم الرحلات الخارجية للمسؤولين، وشجعت العمل من المنزل وتقاسم وسائل النقل. وإذا تفاقمت الأزمة، فالمطروح يشمل خفض سطوع اللوحات الإعلانية ليلا وإغلاق محطات الوقود. كما رفعت بانكوك نسبة خلط الوقود الحيوي من 5% إلى 7%، وعلقت جزءا من صادرات النفط. وفي الوقت نفسه شهدت بعض محطات الوقود شراء بدافع الذعر، مع تقنين للكميات ومنع تعبئة الحاويات. الدعم الحكومي للديزل وحده يكلف أكثر من مليار بات يوميا، والجوار الإقليمي لا يبدو أكثر طمأنة.

 

أما في فيتنام، فقد اختارت الحكومة خطين متوازيين: طلب دعم من اليابان وكوريا الجنوبية لتعزيز إمدادات الخام، وتشجيع الشركات على أنظمة العمل المرن وخفض السفر وتقليل استهلاك الطاقة. هذه الإجراءات قد تبدو أقل صخبا من قرارات الفلبين، لكنها تعكس القلق نفسه: الاقتصاد يواجه صدمة وقود تمتد من النقل إلى الصناعة إلى الكهرباء. ومع ارتفاع الأسعار، بدأ العاملون في قطاع النقل يدفعون الثمن مباشرة، لأن كلفة التشغيل ارتفعت بينما تراجع عدد الركاب بسبب التوسع في العمل عن بعد.

 

بانغ لو مينغ، كبيرة محللي الغاز والغاز الطبيعي المسال في “رايستاد إنرجي”، قالت إن توقف التكرير والشحن سيستمر طالما ظل المرور عبر مضيق هرمز غير آمن، وإن خطر تضرر السفن أو فقدها قد يطيل الاضطراب ويعمق خفض المعروض. هذا الكلام يفسر لماذا تحولت سياسات الترشيد من إجراء احترازي إلى ضرورة يومية. فالمشكلة لم تعد في السعر فقط، بل في تدفق الإمداد نفسه.

 

أزمة معيشة فورية وخيارات أصعب بعد أسابيع قليلة

 

إندرا أوفرلاند، رئيس مركز أبحاث الطاقة في المعهد النرويجي للشؤون الدولية، قال إن الحرب تقدم “دليلا قويا” على مخاطر الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد. لكن جنوب شرق آسيا لا يملك رفاهية الانتقال السريع. سام رينولدز، الباحث في شؤون الغاز والطاقة الآسيوية، حذر من أن الخطر الأكثر إلحاحا هو تعطل الإمدادات الفعلية، لا فقط ارتفاع الأسعار، وأن محدودية التخزين في المنطقة تجعل أي انقطاع يدفع الدول فورا إلى السوق الفورية الأعلى كلفة. وبينما ترى حكومات المنطقة في الدعم والسقوف السعرية وسيلة لامتصاص الغضب، حذرت تحليلات “أوراسيا غروب” من أن هذه السياسة قد لا تكون قابلة للاستمرار أكثر من شهر أو شهرين تحت ضغط الموازنات العامة.

 

الخلاصة أن ما يجري في جنوب شرق آسيا ليس قصة إدارية عن ترشيد التكييف أو تقليص أيام العمل. إنه انتقال مباشر لكلفة الحرب في الشرق الأوسط إلى جيوب ملايين العمال والسائقين والأسر في آسيا. الفلبين خفضت معايير الوقود ودعمت السائقين وفتحت باب الطوارئ. تايلاند شددت التقشف وخافت من الذعر في المحطات. فيتنام تبحث عن خام إضافي وتدفع الشركات إلى المرونة القسرية. أما المواطن هناك، مثل غيره، فيكتشف أن حربا بعيدة يمكن أن تعيد ترتيب يومه ومصروفه وعمله وهو لم يخترها أصلا.