ما جرى لم يعد مجرد خلاف داخل غرف القرار في تل أبيب وواشنطن، التقارير المنشورة خلال الأيام الأخيرة رسمت صورة أكثر خطورة: رهان استخباري وسياسي على هزة داخلية سريعة في إيران، ثم تراجع أو تنصل حين فشل الرهان على الأرض، الثابت في هذه التقارير أن بنيامين نتنياهو تبنى تقديرات نُقلت عن رئيس الموساد دافيد برنياع بشأن إمكان دفع الوضع الإيراني نحو الانهيار، وأن هذا الرهان استُخدم خلال الضغط على دونالد ترامب للمضي في الحرب؛ قبل أن يتبين لاحقًا أن النظام الإيراني لم يسقط، وأن قبضة مؤسساته الأساسية بقيت قائمة، هذا وحده ليس مجرد إخفاق تقدير، بل سقوط سياسي واستخباري مكشوف.

 

الأهم أنني لم أعثر على بيان علني مباشر ومنشور من الموساد ينفي بصيغة رسمية وواضحة أنه قدّم أصلًا هذا التقدير، لكن ما هو موثق أن الرواية الإسرائيلية نفسها باتت مرتبكة: تقارير تتحدث عن تقدير سابق بإمكان إسقاط النظام، وأخرى تنقل لاحقًا أن الحديث كان عن احتمال يمتد لنحو عام، لا لأيام أو أسابيع، فيما أقر مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون بأن النظام «غير متشقق»، وأن قبضته لم تنهَر، هذا التفاوت ليس تفصيلًا لغويًا، بل محاولة لإعادة صياغة الفشل بعد وقوعه.

 

رهان على انتفاضة لم تأت

 

التقارير الإسرائيلية والأمريكية المتقاطعة تقول إن نتنياهو دخل الحرب وهو يراهن على أكثر من الضربات الجوية، وكان يراهن على تمرد داخلي، وعلى أن يؤدي استهداف القيادة ومؤسسات القمع إلى لحظة انفجار داخلية تُسقط النظام أو تدفعه إلى الانهيار السريع، هذا هو جوهر القصة، وليس فقط أن الحرب لم تحقق غايتها السياسية القصوى، بل إن الغاية نفسها بُنيت على فرضية ثبت أنها مفصولة عن الواقع الإيراني الفعلي.

 

الباحثة نيغار مرتضوي، كبيرة الباحثين في مركز السياسات الدولية في واشنطن، وصفت هذا الرهان بأنه سوء تقدير، وقالت إن التجارب السابقة أثبتت أن القصف لا يُخرج مظاهرات فورية، بل قد ينتج أثرًا عكسيًا، وأن التقييم الأمريكي نفسه كان يقر ببقاء النظام الإيراني متماسكًا، مع استمرار الحرس الثوري ممسكًا بزمام الأمور، هذا الرأي مهم لأنه يهدم من الأصل الحجة التي بُني عليها التصعيد: لا توجد قاعدة واقعية تقول إن الضغط العسكري الخارجي يصنع تلقائيًا انتفاضة داخلية قابلة للحياة.

 

المشكلة هنا لا تقف عند حدود سوء القراءة، نتنياهو، بحسب التقارير، استخدم هذا التصور في إقناع ترامب بالمضي في الحرب، بينما كان ترامب نفسه يتحرك على قاعدة مختلفة وأكثر اضطرابًا: يريد نصرًا سريعًا، وكلفة اقتصادية أقل، ولا يريد غرقًا طويلًا، وحين لم يتحقق الانهيار الإيراني الموعود، بدأت الشروخ تظهر بين الهدف الإسرائيلي الأقصى والهدف الأمريكي الأكثر ترددًا، خاصة بعد ضرب منشآت الطاقة وما ترتب عليها من ارتدادات إقليمية وارتفاعات في أسعار الطاقة.

 

حين يُضلّل التقدير صانع القرار

 

الأزمة هنا ليست فقط أن الموساد ربما قدّم تقديرًا خاطئًا، بل إن هذا التقدير، كما ورد في التقارير، انتقل من جهاز استخباري إلى قرار سياسي، ثم إلى محاولة جر واشنطن إلى حرب أوسع، وهذا هو المعنى العملي للهزيمة الاستخبارية: حين لا يقتصر الخطأ على المعلومة، بل يمتد إلى صياغة الهدف، ثم إلى تسويق الوهم باعتباره مسارًا قابلًا للتحقق، وحين ينكشف الفارق بين الوعد والواقع، لا يبقى أمام القيادة إلا التنصل أو إعادة تفسير ما قيل.

 

جون ألترمان، رئيس برنامج الأمن العالمي والاستراتيجية الجيوسياسية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قال إن أثر اغتيال القيادات يتلاشى بمرور الوقت، وإن حتى الأنظمة السلطوية لا تقوم على فرد واحد بل على شبكات كاملة داعمة لها، هذه الملاحظة تشرح أصل العطب الإسرائيلي، فمن يختزل دولة بحجم إيران في رأس النظام فقط، أو يفترض أن تصفية القمة ستعني تلقائيًا شلل القاعدة، لا يقرأ الدولة بل يقرأ أمنياته، وهذا بالضبط ما تكشفه الوقائع الحالية.

 

والأوضح أن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين أنفسهم أقروا، بحسب «واشنطن بوست»، بأن النظام الإيراني لم ينكسر، وأن احتمالات إسقاطه من خلال حملة جوية ليست مرتفعة، بل إن بعض المسؤولين الإسرائيليين أبلغوا نظراءهم الأمريكيين بأن أي تحرك احتجاجي داخلي قد يُذبح إذا خرج إلى الشارع؛ لأن الأجهزة الإيرانية ما تزال تملك اليد العليا، هنا تصبح الصورة أكثر فجاجة: القيادة الإسرائيلية سوّقت هدفًا تعرف دوائرها نفسها أن فرصه ضعيفة.

 

التنصل لا يلغي الهزيمة

 

محاولة تخفيف الصياغة من «سقوط سريع» إلى «احتمال خلال عام»، أو نفي أن يكون إسقاط النظام هدفًا مباشرًا، لا يغيّر الحقيقة الأساسية، فإسرائيل خاضت حربًا وسوّقت لها على أساس أن الضربات ستفتح الباب لانهيار داخلي، ثم اكتشفت أن النظام بقي قائمًا، وأن الرد الإيراني استمر، وأن المنطقة كلها دفعت الثمن في الطاقة والملاحة والتصعيد، وهذا ليس فقط فشلًا في التقدير، بل فشل في تعريف الهدف، وفشل في معرفة حدود القوة، وفشل في التنبؤ برد الفعل.

 

أستاذ العلوم السياسية ماكس أبرامز حذر من أن قطع الرؤوس القيادية استراتيجية محفوفة بالمخاطر؛ لأن إزالة قائد يميل إلى قدر من الضبط قد تفتح الباب أمام تكتيكات أكثر تطرفًا بعد غيابه، هذا التحذير لا يخص إيران وحدها، لكنه هنا شديد الصلة: إذا كانت النتيجة بعد الاغتيالات والضربات هي نظام أكثر تشددًا، وقيادة أكثر صلابة، وتصعيد إقليمي أوسع، فإن إسرائيل تكون قد حققت عكس ما وعدت به جمهورها وحلفاءها.

 

الخلاصة السياسية واضحة، حتى لو لم يصدر نفي رسمي مباشر ومعلن من الموساد بالصيغة المتداولة، فإن مجرد انتقال المؤسسة من خطاب يوحي بإمكان الانهيار إلى خطاب يخفف ويبرر ويعيد التوصيف، هو اعتراف ضمني بأن الخطة لم تصمد أمام الواقع، وهذه هي الهزيمة الأثقل: جهاز يُفترض أنه يقرأ الخصم بدقة، ثم يجد نفسه بعد الحرب يشرح لماذا لم يقع ما وعد به، وفي الحالة الإسرائيلية، لا يضرب هذا الموساد وحده، بل يضرب نتنياهو الذي باع الوهم، ويضرب ترامب الذي تلقى الرواية، ويكشف أن «إسرائيل التي تعرف كل شيء» أخطأت في أهم سؤال: هل يمكن إسقاط إيران من السماء؟ الجواب الذي خرج من الميدان حتى الآن: لا.