وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
أن تغضب وتتألم لتطوّر ردّة الفعل الإيرانية على هجمات العدو الصهيو - أميركي إلى ضرباتٍ في مدن الخليج تستحقّ وصف العدوان، فهذا شعور طبيعي ومفهوم من دون كثير من الجدال. ولكن أن تنطلق من إدانة هذه الضربات إلى تصنيف إيران باعتبارها "العدو"، فهذا أقرب إلى الجنون. أمّا أن يصل الأمر ببعضهم إلى تمنّي هزيمة إيران وانكسارها أمام إسرائيل وأميركا، فهذا هو التماهي مع المشروع الصهيوني حرفيًا، إذ لا يتمنّى القضاء على القدرات العسكرية لإيران، والمقاومة اللبنانية، إلا الصهيوني، وليس من توصيف للتناغم مع أهداف هذا الصهيوني إلا مفردة "التصهين".
في الخطاب الرسمي الصادر عن دول الخليج غضبٌ مستحقّ من الضربات الإيرانية على أهداف في هذه الدول، غير أنه لم يصدر تصريح رسمي واحد من دولة خليجية يصف إيران بأنها "العدو"، فالكلام كلّه عن اعتداءاتٍ من الجار تسبّبت في خسائر كثيرة على المستويات كافّة.
ويبدو أننا سنظلّ في حاجة دومًا إلى التأكيد على بديهيات وثوابت تاريخية وجغرافية طوال الوقت، في مواجهة لوثة اختراع "عدو إيراني" بديلًا من العدو الصهيوني، التاريخي والوحيد. ذلك أن أصغر تلميذ في العلوم الإنسانية يدرك الفرق بين "العدو" بوصفه حالة ثابتة ومثبتة بوقائع التاريخ والقانون الدولي والإنساني، ناهيك عن الاعتبارات الأخلاقية والحضارية، و"العدوان" بوصفه فعلًا أو حدثًا يقع في لحظة ما ثم ينتهي.
وقد يكون ذلك الفعل من عدو تاريخي وثابت، وأحيانًا يكون بين جيران طبيعيين أو حتى أشقّاء، وتاريخ العلاقات العربية العربية يذخر بكثير من هذه الأفعال والأحداث، التي تتخذ شكل الاشتباك العسكري، وفي حالات أخرى تأتي في صيغة مقاطعة اقتصادية.
بهذا المعنى، لا عدو إلا الكيان الصهيوني، في الأوقات كلّها: فترات السلام الكاذب، وفترات الحروب العسكرية، وفترات البيْن بين. وهذه هي العلاقة الطبيعية، أو هكذا يُفترض، بين الإنسان العربي ومجموعاتٍ من الغزاة المحتلّين، جُلبوا من جغرافيا وثقافة ولغات أخرى تختلف بالكلّية عمّا لدى أصحاب الأرض من هُويّة حضارية مستقرّة وراسخة عبر آلاف السنين، وهو ما يجسّده الشعار الفلسطيني الخالد: "باقون ما بقي الزعتر والزيتون"، عكس الصهيوني المجلوب من عالم آخر للاستيطان في هذه الأرض، والمسكون دومًا بيقين أنه زائل لا محالة، يطارده التاريخ بهواجس "العقد الثامن"، فيقتل أكثر، ويحرق الخرائط، ويدمّر الجغرافيا، مدفوعًا بوهم التحايل على استحقاقات التاريخ. وتلك هي المنطلقات الحقيقية للغزو الأميركي الصهيوني الجديد، الذي يستهدف إيران باعتبارها العقبة الأخيرة في طريق صناعة التاريخ بقتل الجغرافيا.
ولا بأس من إعادة التأكيد هنا على أنه، في العقيدة الأميركية، ليس من حقّ أحد امتلاك السلاح في المنطقة إلا إسرائيل، وليس لأحد الكلام بلغة السلاح إلا الاحتلال. ورويدًا رويدًا نجحت واشنطن في تدريب اللسان الرسمي العربي على مقولة نزع السلاح بوصفها مرادفًا للسلام والاستقرار في المنطقة؟ وبموازاة ذلك، يستبسل الإعلام في تعويد الأذن العربية على "نزع السلاح" مفردةً من مفردات قاموس السلام. ويصير المشهد أكثر مأساوية حين يجري تسويق قمم نزع السلاح وتجريم أعمال المقاومة انتصاراتٍ أحيت القضية وأنقذت الشعب الفلسطيني في غزّة من الهلاك، تمامًا كما أن لبنان موعود بعملية إنقاذ مماثلة تشترط أن يكفر بمقاومته ويقتلع سلاحها كما يقتلع الاحتلال أشجار الزيتون.
من هنا توضع إيران، العدو الوحيد في أجندة واشنطن وتل أبيب، ومع إيران يوضع ما بقي من مقاومة عربية تحمل السلاح في وجه التوحّش العسكري الصهيوني. هذا ما يفهمه العقل السياسي العربي السليم، باستثناء أولئك الذين قرّروا الالتحاق بمشروعات تصنيع التاريخ من أشلاء الجغرافيا.

