شهد السودان، حلقة جديدة من القتل اليومي الذي صار يمر تحت اسم الحرب. غارتان بطائرات مسيرة استهدفتا سوقًا في سرف عمرة بولاية شمال دارفور، وشاحنة على طريق في شمال كردفان، فأسقطتا 28 مدنيًا على الأقل، بينهم رضيع، وأصابتا 27 آخرين. الواقعة ليست تفصيلًا عابرًا. هي صورة مكثفة لحرب اتسعت فيها دائرة الاستباحة، وصار المدني فيها هدفًا سهلًا، لا خسارة جانبية. وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن مصادر طبية أن حصيلة الغارتين بلغت 28 قتيلًا، بينها 22 قتيلًا في سوق سرف عمرة و6 قتلى في شمال كردفان.

 

سوق مفتوح للقتل

 

الغارة الأولى وقعت في سوق بمدينة سرف عمرة في شمال دارفور. 22 قتيلًا سقطوا دفعة واحدة، بينهم رضيع، و17 مصابًا وصلوا إلى المستشفى المحلي. هذا ليس هدفًا عسكريًا ملتبسًا. هذا سوق. مكان يذهب إليه الناس للشراء والبيع وتدبير يومهم. حين تضرب طائرة مسيرة سوقًا مكتظًا، فلا مجال للحديث عن خطأ معزول أو ضرر جانبي. نحن أمام قتل مباشر في مكان مدني معلوم.

 

المشهد نفسه تكرر في شمال كردفان. غارة ثانية أصابت شاحنة على الطريق، فأشعلت فيها حريقًا هائلًا. مستشفى الرهد استقبل 6 جثث، 3 منها متفحمة بالكامل، إلى جانب 10 جرحى. المصدر الطبي اتهم قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن الهجوم. الاتهام هنا مهم، لكن الأهم أن النتيجة واحدة: مدنيون يُحرقون على الطريق، والسودان يواصل النزيف تحت سلاح منخفض الكلفة وعالي الفتك.

 

الناطقة باسم مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مارتا هورتادو، وصفت ما يجري بدقة قاسية. قالت إن الارتفاع الكبير في استخدام الطائرات المسيرة هذا العام يكشف الأثر المدمر للتكنولوجيا الحديثة والأسلحة منخفضة الكلفة نسبيًا على السكان المدنيين في المناطق المأهولة. هذا التوصيف لا يشرح فقط ما جرى في دارفور وكردفان، بل يضعه في سياقه: سلاح رخيص نسبيًا، سهل التشغيل، واتساع في الاستخدام، وثمن يدفعه من لا يملكون أي حماية.

 

حصيلة تتصاعد والإنذار قائم

 

هذه الغارتان لم تأتيا من فراغ. الأمم المتحدة أعلنت قبل أيام أن أكثر من 500 مدني قُتلوا نتيجة ضربات بطائرات مسيرة في السودان بين 1 يناير و15 مارس، وأن الغالبية سقطت في ولايات كردفان الثلاث. وفي أول أسبوعين فقط من مارس، وثقت الأمم المتحدة مقتل أكثر من 277 مدنيًا، أكثر من ثلاثة أرباعهم سقطوا في هجمات بالطائرات المسيرة. هذه ليست موجة محدودة. هذا نمط متصاعد ومعلن وموثق.

 

المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك قال، الأسبوع الماضي، إنه يشعر بصدمة من الأثر المدمر لتزايد هجمات الطائرات المسيرة على المدنيين، بعدما قُتل أكثر من 200 مدني بالطائرات المسيرة منذ 4 مارس وحده في كردفان وولاية النيل الأبيض. كلام تورك مهم لأنه ينسف أي ادعاء بأن المجتمع الدولي لا يرى. التحذير موجود. الأرقام موجودة. والنتيجة أن القتل مستمر. معنى ذلك أن أطراف الحرب ماضية في التصعيد، وأن الردع غائب أو عاجز.

 

هذا التصعيد لا يقتصر على الأسواق والطرق. قبل أيام، أدى هجوم على مستشفى التعليم في الضعين بولاية شرق دارفور إلى خروجه من الخدمة، وحرمان أكثر من 2 مليون شخص من الرعاية الأساسية، بحسب منظمة الصحة العالمية ومسؤولين في الإغاثة. حين تنتقل الطائرات المسيرة من استهداف الأسواق إلى المستشفيات، فالمسألة لم تعد فقط اتساعًا في العمليات، بل انزلاقًا أعمق إلى حرب تضرب شروط البقاء نفسها: الغذاء، والدواء، والطريق، والمأوى.

 

الخبير الأممي المعني بحقوق الإنسان في السودان رضوان نويصر كان قد حذر، في مايو الماضي، من أن توافر طائرات مسيرة بعيدة المدى ومتقدمة يمثل تصعيدًا دراميًا نقل النزاع إلى مستوى جديد وخطير. تحذيره لم يكن نظريًا. ما نراه الآن يثبت أن إدخال هذا السلاح على نطاق أوسع لم يغير ميزان الحرب فقط، بل وسع مساحة الرعب المدني، وفتح المجال أمام ضربات أسرع وأبعد وأقل كلفة سياسية على المنفذين.

 

مدنيون في قلب النار

 

في النصوص الرسمية، يُقال دائمًا إن حماية المدنيين أولوية. على الأرض، يحدث العكس. اللجنة الدولية للصليب الأحمر شددت على أن المدنيين ومن خرجوا من القتال يجب أن تُصان حياتهم وصحتهم وسلامتهم البدنية والنفسية، وأن الهجمات لا يجوز أن تُوجَّه إلا إلى أهداف عسكرية. هذه ليست مواعظ أخلاقية. هذه قواعد قانونية واضحة. لكن ما يجري في السودان يقول إن السوق يمكن أن يُقصف، والمستشفى يمكن أن يُدمر، والشاحنة المدنية يمكن أن تتحول إلى كتلة نار، من دون أي التزام فعلي بهذه القواعد.

 

بيانات الرصد المستقل تؤكد أن المسألة تجاوزت حدود الوقائع المتفرقة. قاعدة بيانات النزاعات المسلحة سجلت ما لا يقل عن 198 ضربة بطائرات مسيرة في السودان خلال أول شهرين من 2026، بينها 52 ضربة أوقعت ضحايا مدنيين، بعدد قتلى بلغ 478 شخصًا. هذه الأرقام لا تترك مساحة واسعة للإنكار. نحن أمام سلاح صار جزءًا ثابتًا من إدارة الحرب، وأمام مدنيين صاروا في مرماه بصورة متكررة.

 

المحصلة السياسية والإنسانية واضحة. السودان لا يواجه فقط حربًا طويلة، بل حربًا يتسع فيها استخدام السلاح الأرخص والأكثر ملاءمة لضرب التجمعات المدنية من مسافة آمنة. والنتيجة أن الأبرياء يُقتلون وهم في السوق، أو على الطريق، أو داخل المستشفى، بينما يكتفي العالم بتحديث الأرقام. ما جرى في سرف عمرة وشمال كردفان ليس خبرًا عابرًا في آخر النهار. إنه دليل جديد على أن الحرب في السودان تجاوزت منطق الجبهات، وصارت تدار فوق رؤوس المدنيين، وبلا كوابح حقيقية.