تقول القاهرة إنها تتحرك بقوة لوقف الحرب الإيرانية المشتعلة منذ 28 فبراير، وإنها لعبت دور «حلقة وصل» بين الولايات المتحدة وإيران، ونقلت مشروع الخطة الأميركية إلى طهران مع استعداد معلن لاستضافة أي اجتماعات تخدم التهدئة، لكن حتى مساء الخميس 26 مارس لم يظهر ما يدل على اختراق سياسي حقيقي، الخطة الأميركية لم تُقبل، والحرب لم تتوقف، والقاهرة ما زالت في موقع ناقل الرسائل أكثر من كونها صاحبة مفتاح للحل، هذه هي النقطة التي يغيبها الخطاب الرسمي حين يبالغ في تسويق الحركة باعتبارها إنجازًا قائمًا، بينما النتيجة الفعلية ما زالت غائبة.
وزير الخارجية بدر عبد العاطي قال إن مصر أبقت قنوات التواصل مفتوحة مع إيران والولايات المتحدة، بالتعاون مع تركيا وباكستان وأطراف أخرى، وإن القاهرة مستعدة لاستضافة الاجتماعات إذا ساعدت على خفض التصعيد، هذا الكلام يؤكد وجود تحرك مصري فعلي، لكنه يكشف أيضًا حدوده، فحين تكون الوساطة موزعة بين أكثر من طرف إقليمي، وحين تبقى طهران في موقع دراسة المقترح أو رفضه، لا يمكن تقديم الدور المصري باعتباره مركز القرار، السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للعلاقات الخارجية، قال إن السيناريو الأقرب هو مواجهة محدودة يعقبها رجوع إلى طاولة المفاوضات، وهو تقدير يعكس أن حتى المتابعين القريبين من الدبلوماسية المصرية لا يتحدثون عن حسم، بل عن محاولة لاحتواء انفجار أكبر.
حلقة وصل لا أكثر
المشكلة ليست في أن القاهرة تتحرك، المشكلة في الفجوة بين حجم الحركة وحجم الأثر، مصر تنقل خطة، وتعرض الاستضافة، وتنسق مع عواصم أخرى، لكن الحرب مستمرة، والرد الإيراني على المقترح الأميركي جاء سلبيًا مع طرح مطالب مقابلة بدل القبول المباشر، هنا يصبح وصف القاهرة لنفسها بأنها «حلقة وصل» دقيقًا، لكنه أقل بكثير من الخطاب الذي يوحي بأنها تقود تسوية وشيكة، الخبير أشرف سنجر قال إن مصر وتركيا وقطر تقود وساطة مهمة لوقف الحرب، لكن حتى هذا التوصيف لا يغير حقيقة أن الوساطة لم تنتج حتى الآن وقفًا للنار ولا بداية تفاوض مباشر معلنة بين الطرفين.
إصرار عبد العاطي على أن الحل العسكري لم يكن يومًا الحل الأمثل يعبر عن خط دبلوماسي مفهوم، لكنه لا يجيب عن سؤال أكثر حدة: لماذا تُطرح الوساطة المصرية الآن بهذه الكثافة؟ هل لأنها فرصة حقيقية للضغط على طرفي الحرب، أم لأنها محاولة لاستعادة وزن إقليمي تراجع في ملفات أكثر حساسية خلال السنوات الماضية؟ الواقع يقول إن الأمرين حاضران معًا، فالقاهرة تريد خفض النار فعلًا، لكنها تريد أيضًا أن تُرى من جديد باعتبارها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أزمات الإقليم، خصوصًا بعدما توزعت أدوار الوساطة في المنطقة بين عواصم أخرى خلال الأعوام الأخيرة.
فاتورة الحرب تصل إلى القاهرة
لا يمكن فهم هذا التحرك المصري خارج أثر الحرب على الداخل، فالحكومة المصرية رفعت أسعار الوقود يوم 10 مارس، وقالت إن القرار جاء في ظل «الظروف الاستثنائية» التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية بسبب التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، هذا يعني أن القاهرة لا تتحرك فقط بدافع السلام المجرد أو الحرص على الاستقرار الإقليمي، بل أيضًا لأن الحرب تضرب جيب الدولة والمواطن معًا، الخبير الاقتصادي خالد الشافعي قال إن الحرب الإيرانية تؤثر على أسواق النفط والشحن وتفرض تحديات إضافية على الاقتصادات الناشئة، وهي صياغة دبلوماسية لواقع أبسط وأقسى: كل يوم إضافي في الحرب يرفع كلفة المعيشة في مصر.
هذا البعد الاقتصادي يفسر كثيرًا من الحماس الرسمي للوساطة، لأن استمرار الحرب لا يعني فقط ارتفاع أسعار الطاقة، بل يعني أيضًا ضغطًا على الاستيراد وعلى الموازنة وعلى الشارع الذي يدفع بالفعل ثمن الغلاء، وحين تتحدث السلطة عن دور سياسي في إطفاء حريق إقليمي، فهي تتحدث في الوقت نفسه عن محاولة لحماية نفسها من حريق داخلي، هنا لا تبدو الوساطة المصرية عملًا نبيلاً مجردًا، بل ضرورة سياسية واقتصادية في آن واحد، ووفق جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، فإن قرار تحريك أسعار الوقود في مصر يظل مرهونًا بمدى استمرار الحرب وتجاوز سعر خام برنت مستويات التحوط في الموازنة، وهو ما يربط بين مسار المعارك مباشرة وبين فاتورة الحياة اليومية داخل مصر.
دعم الخليج واستعراض الدور
حديث عبد العاطي عن انحياز مصر «قلبًا وقالبًا» إلى دول الخليج، والتنسيق مع السعودية والأردن والعراق، ثم طرح ترتيبات أمنية عبر الجامعة العربية أو مع أطراف إقليمية غير عربية، يكشف أن القاهرة لا تعرض نفسها وسيطًا فقط، بل لاعبًا يريد تثبيت موقعه في معادلة الأمن الإقليمي، هذه لغة تتجاوز وقف الحرب إلى إعادة التموضع السياسي، فمصر هنا تقول إنها لا تكتفي بفتح خط مع طهران وواشنطن، بل تريد أن تكون جزءًا من أي تصور أوسع للأمن في المنطقة بعد الحرب أو أثناءها، لكن هذا الطموح يصطدم بحدود الواقع، فالقاهرة ليست الطرف الذي يملك أدوات الضغط العسكرية أو الاقتصادية على إيران والولايات المتحدة، ولا هي الوسيط الوحيد المقبول من الجميع، أقصى ما تملكه هو شبكة اتصالات، وعلاقات تسمح بنقل الرسائل، ومصلحة مباشرة في خفض التصعيد، لذلك فإن تقييم التحرك المصري باعتباره «مزيجًا» بين محاولة جادة لوقف الحرب ومحاولة لإعادة تثبيت الدور الإقليمي يبدو أقرب إلى الحقيقة من الرواية الرسمية المنقحة، مصر تتحرك لأن المنطقة تحترق، نعم، لكنها تتحرك أيضًا لأنها لا تريد البقاء على هامش مشهد يعاد فيه توزيع النفوذ من جديد.
الخلاصة أن القاهرة تتحرك فعلًا، لكن من الخطأ التعامل مع هذا التحرك باعتباره نجاحًا قبل أوانه، حتى الآن مصر لم توقف الحرب، ولم تنتزع قبولًا إيرانيًا بالخطة الأميركية، ولم تفتح مفاوضات مباشرة معلنة، ما فعلته هو إبقاء الخط مفتوحًا ومحاولة منع انفجار أكبر، بالتوازي مع سعي واضح لاستعادة وزن سياسي إقليمي، هذا ليس قليلًا، لكنه ليس الإنجاز الذي يحاول الخطاب الرسمي بيعه، وفي السياسة كما في الاقتصاد، الفرق بين الحركة والنتيجة ليس تفصيلًا، إنه جوهر الحساب كله.

