شهدت واحدة من أبرز قضايا الملكية الفكرية في مصر تطورا قضائيا لافتا يوم الخميس 26 مارس 2026، بعدما أوصت نيابة النقض برئاسة المستشار المعتز هريدي برفض الطعن المقدم من وزيرة الثقافة جيهان زكي على حكم إدانتها. 

 

ورغم قبول الطعن شكلا لاستيفائه الإجراءات، انتهت النيابة إلى رفضه موضوعا، معتبرة أن حكم المحكمة الاقتصادية الصادر في يوليو 2025 جاء سليما قانونا ومستندا إلى أدلة فنية معتبرة.

 

نزاع أدبي يتحول إلى مواجهة قضائية مكتملة

 

أوضح مسار القضية أن بدايتها تعود إلى دعوى رفعتها الكاتبة سهير محمد عبد الحميد أمام المحكمة الاقتصادية، اتهمت فيها وزيرة الثقافة بالتعدي على حقوقها الفكرية عبر كتاب صدر للأخيرة في 2024 بعنوان كوكو شانيل وقوت القلوب ضفائر التكوين والتخوين، مؤكدة أن عملها الصادر في 2022 بعنوان اغتيال قوت القلوب الدمرداشية سيدة القصر يمثل المرجع الأول للسيرة الذاتية محل النزاع.

 

لفتت أوراق الدعوى إلى أن المدعية استندت إلى وجود اقتباسات حرفية ونقول مباشرة من كتابها داخل عمل الوزيرة، إلى جانب تشابهات واضحة في البناء السردي والتحليل، وهو ما اعتبرته تعديا صريحا على حقوقها الأدبية، مطالبة بتعويض عن الأضرار المادية والأدبية، مع سحب الكتاب من التداول ومنع نشره أو توزيعه في الأسواق.

 

أكد الحكم الصادر في 9 يوليو 2025 أن المحكمة الاقتصادية اعتمدت على تقرير لجنة ثلاثية من خبراء الملكية الفكرية، انتهت إلى ثبوت النقل الحرفي والتشابهات المتعددة بما يتجاوز حدود الاقتباس المشروع، وألزمت الوزيرة بدفع تعويض قدره 100 ألف جنيه، مع سحب الكتاب محل النزاع من الأسواق وعدم إتاحته للبيع أو التداول.

 

الطعن أمام النقض وحدود الاقتباس القانوني

 

أوضحت وقائع الطعن أن وزيرة الثقافة لم ترتض الحكم، فبادرت في 3 سبتمبر 2025 بالطعن أمام محكمة النقض، مستندة إلى أسباب تتعلق بالخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، معتبرة أن ما ورد في كتابها يدخل ضمن الاقتباس المباح وفقا لنص المادة 171 من قانون حماية الملكية الفكرية.

 

بين الطعن أن العملين يتناولان موضوعا عاما مستمدا من مصادر تاريخية وصحفية متاحة، وأن التشابه لا يرقى إلى حد التعدي، خاصة مع وجود إشارات إلى المصادر داخل متن الكتاب وقائمة المراجع، في محاولة لإثبات أن الاقتباس جاء في إطار مشروع قانوني يتعلق بالدراسات التحليلية والمقارنات الأدبية.

 

أكدت نيابة النقض في مذكرتها أن هذه الدفوع لا تنال من سلامة الحكم، موضحة أن الاقتباس المباح يجب أن يكون في أضيق الحدود ولغرض محدد، مع ضرورة الإشارة الدقيقة والواضحة إلى المصدر في كل موضع اقتباس، وليس الاكتفاء بذكره بشكل عام، وأن تجاوز هذه الضوابط يشكل اعتداء على حقوق المؤلف.

 

يرى الدكتور حسام لطفي أستاذ القانون المدني وحقوق الملكية الفكرية أن ما انتهت إليه النيابة يتسق مع المبادئ المستقرة، إذ إن الاقتباس لا يجوز أن يتحول إلى نقل ممتد يطمس شخصية العمل الأصلي، مؤكدا أن معيار الأصالة يظل الفيصل في مثل هذه النزاعات.

 

تقرير الخبراء وحسم الجدل أمام النقض

 

أشارت مذكرة النيابة إلى أن تقرير اللجنة الثلاثية كان حاسما في تكوين عقيدة المحكمة، حيث أثبت وجود نقل حرفي لأجزاء من كتاب المدعية مع تعديلات طفيفة، إضافة إلى تشابه في البناء العام لبعض الفصول، وهو ما يتجاوز حدود الاقتباس المشروع ويؤكد وقوع التعدي.

 

وفي موازاة ذلك، أكدت النيابة أن للمحكمة سلطة تقديرية في الأخذ بتقرير الخبير متى اطمأنت إليه، دون أن تكون ملزمة بالرد على كل مطعن يوجه إليه، طالما وجدت فيه ما يكفي لتكوين قناعتها، وهو ما يعزز من قوة الحكم الابتدائي ويحد من فرص نقضه.

 

وأوضح الإطار القانوني الذي استندت إليه النيابة أن قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 يشترط توافر الأصالة والابتكار في المصنف، وأن الاقتباس لا يبيح النقل الحرفي أو الواسع، بل يظل مقيدا بضوابط دقيقة، والإخلال بها يمنح صاحب العمل الأصلي الحق في التعويض.

 

أكدت النيابة أن ما أثارته الطاعنة لا يعدو كونه جدلا موضوعيا في تقدير الأدلة، وهو أمر لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض، كما رصدت ملاحظات إجرائية تتعلق بعدم إعلان المطعون ضدها بصحيفة الطعن، مع التنبيه إلى ضرورة استكمال هذا الإجراء.

 

كما يرى الدكتور أحمد عبد الظاهر أستاذ القانون الجنائي أن توصية النيابة تمثل مؤشرا قويا على اتجاه الحكم النهائي، لكنها تظل رأيا استشاريا، بينما تبقى الكلمة الأخيرة لمحكمة النقض التي ستفصل في مدى سلامة الحكم خلال جلسة لم يتحدد موعدها بعد.

 

ويشير هذا التطور إلى أن القضية تقترب من محطتها الأخيرة، مع ترجيحات بتأييد الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية بكل ما تضمنه من إلزامات، ما يجعلها واحدة من أبرز السوابق الحديثة في تطبيق قواعد حماية الملكية الفكرية في مصر.