كشف قرار الشبكة المصرية لحقوق الإنسان وقف نشاطها الحقوقي من لندن، يوم الخميس، أن واحدة من أكثر المنصات متابعة لملف السجون والانتهاكات لم تعد قادرة على الاستمرار، بعدما قالت المؤسسة إن ظروفًا خارجة عن إرادتها منعتها من أداء رسالتها كما يجب، وبذلك انتقل الملف من خبر إجرائي إلى مؤشر مباشر على مستوى الضغط الذي يطاول العاملين في المجال الحقوقي المصري داخل البلاد وخارجها.

 

قرار الإغلاق لم يأت من فراغ

 

أوضحت الخطوة نفسها أن القرار لم يهبط فجأة، لأن مدير الشبكة أحمد العطار كان قد أعلن قبل نحو شهر اعتزال العمل الحقوقي لظروف خاصة وخارجة عن إرادته، وهو تسلسل زمني يجعل التوقف المؤسسي نتيجة تالية لانسحاب المسؤول الأول، لا مجرد إجراء إداري منفصل، كما يجعل أسباب الإغلاق مرتبطة ببيئة العمل نفسها لا برغبة عابرة في تجميد النشاط.

 

ولفتت المعلومات المتداولة من مقربين من الشبكة إلى أن ضغوطًا أمنية شديدة استهدفت أهالي العاملين في مصر، مع تهديدات بالاعتقال حال استمرار ذويهم في العمل الحقوقي من الخارج، وهو ما يفسر لماذا انتهى الأمر إلى وقف النشاط بدل تقليصه فقط، لأن المؤسسة التي يتعرض فريقها للضغط عبر عائلاته تفقد عمليًا القدرة على العمل المنتظم والآمن.

 

وفي هذا السياق، يرى عمرو مجدي، الباحث البارز في شؤون مصر لدى «هيومن رايتس ووتش»، أن السلطات المصرية واصلت خلال 2025 سحق المعارضة السلمية بلا محاسبة، مع إبقاء المدافعين عن الحقوق والصحفيين والنشطاء تحت القمع والسجن، وهو توصيف يشرح القرار الأخير بوصفه نتيجة منطقية لمناخ يستهدف الفاعلين المستقلين، لا استثناءً طارئًا في مؤسسة بعينها.

 

الضغوط على العائلات تفسر ما عجزت البيانات الرسمية عن شرحه

 

ويبين نمط الاستهداف أن الأزمة لا تتوقف عند حدود المنظمات نفسها، بل تمتد إلى أسر العاملين والمدافعين المقيمين في الخارج، إذ وثقت منظمات حقوقية في نوفمبر 2025 تصاعد ما وصفته بـ«العقاب بالوكالة»، عبر مداهمات واعتقالات وإخفاء قسري بحق أقارب النشطاء والمعارضين، بهدف الضغط عليهم أو معاقبتهم بسبب آرائهم وأنشطتهم السلمية، وهو ما يضع قرار الشبكة في سياق أوسع من الخنق غير المباشر.

 

وأكدت الوقائع التي أوردتها المنظمات الحقوقية أن هذا النمط لم يعد ادعاءً عامًا، لأن المنبر المصري لحقوق الإنسان وثق ما لا يقل عن 12 حالة خلال عامي 2024 و2025 استهدفت أسر نشطاء وصحفيين ومدافعين مصريين يقيمون في الخارج، وبذلك يصبح الحديث عن ضغوط على أهالي العاملين بالشبكة متسقًا مع سجل موثق، لا مع رواية غير قابلة للفحص.

 

كما ترى سارة حشاش، نائبة المدير الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «أمنستي الدولية»، أن ممارسات الترهيب والمراقبة والتدخل الأمني المستمر تخلق مناخًا خانقًا يقوض قدرة الناس على التنظيم وممارسة حقوقهم، وهو تقدير يفسر لماذا يصبح استمرار أي مؤسسة مستقلة مهمة شبه مستحيلة حين يتحول الأمن من جهة رقابية إلى طرف متحكم في التسجيل والتمويل والإدارة اليومية.

 

الأزمة أقدم من الشبكة وأوسع من قرار واحد

 

وأشار السياق الحقوقي الأوسع إلى أن المجال المدني في مصر تعرض خلال 2025 لمزيد من التضييق المنهجي، إذ قالت «هيومن رايتس ووتش» إن السلطات فككت الحريات الأساسية وخنقت المجال العام، بينما أكدت تقارير أخرى استمرار السجن المطول والملاحقات بحق صحفيين ونشطاء، وهو ما يعني أن إغلاق الشبكة لا يعبّر عن تعثر مؤسسة واحدة، بل عن استمرار بيئة طاردة لأي عمل حقوقي مستقل.

 

وفي موازاة ذلك، أوضحت «أمنستي الدولية» في نوفمبر 2025 أن قانون الجمعيات الصادر سنة 2019 ما زال يمنح السلطات قبضة مشددة على المنظمات المستقلة، عبر قيود على التسجيل والتمويل وتدخل في تشكيل مجالس الإدارة وتفتيش المقرات ومراقبة الأنشطة، وبذلك يبقى العمل الأهلي خاضعًا لإرادة الأجهزة لا لقاعدة الإخطار والحق في التنظيم الذي تنص عليه المعايير الحقوقية.

 

ويؤكد فيليب لوثر، مدير البحوث والمناصرة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «أمنستي الدولية»، أن السلطات المصرية تتعامل مع كثير من أعمال الدفاع عن الحقوق بوصفها تهديدًا يجب إسكات أصحابه، وقد وصف محاكمات سابقة لناشطين حقوقيين بأنها محاولة جديدة لإسكات المدافعين عن الحقوق والمنتقدين الفعليين أو المفترضين للدولة، وهو توصيف يضع قرار وقف الشبكة داخل سياسة أوسع من العقاب والتجفيف المتواصل.

 

النتيجة لا تخص مؤسسة واحدة بل تخص المجال العام كله

 

ويرتبط الأثر المباشر لهذا الإغلاق بأن الشبكة كانت من أكثر الجهات نشاطًا في توثيق أوضاع السجناء السياسيين ونقل الشكاوى والإضرابات من داخل السجون وأماكن الاحتجاز، ولذلك فإن توقفها لا يعني فقط غياب اسم من المشهد، بل يعني خسارة قناة متابعة كانت تنقل وقائع يصعب الوصول إليها في ظل القيود المفروضة على الصحافة والرقابة المستقلة.

 

وأشارت النتيجة الأوسع إلى أن استمرار هذا المسار يفرغ المجال العام من المؤسسات التي توثق الانتهاكات وتراجع السردية الرسمية وتمنح الضحايا مساحة للكلام، وعندما تتوقف مؤسسة بسبب الضغط على عائلات العاملين فيها، فإن الرسالة التي تصل إلى بقية الفاعلين أوضح من أي بيان، وهي أن كلفة الاستمرار صارت أعلى من قدرة كثيرين على الاحتمال.

 

وأكدت الخاتمة العملية للأزمة أن وقف الشبكة المصرية لحقوق الإنسان لا يمكن قراءته كحادثة منفصلة أو كقرار تنظيمي محدود، لأن تسلسل الوقائع يكشف سببًا واضحًا ونتيجة واضحة، فالضغط على الأفراد امتد إلى أسرهم، والقيود القانونية تحولت إلى رقابة أمنية يومية، ومع هذا الجمع بين الترهيب والمنع، يصبح إغلاق المؤسسات المستقلة نتيجة متوقعة في بلد يتقلص فيه العمل المدني خطوة بعد أخرى.