جاءت تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي الأخيرة لتعيد نفس الكلمات التي أدلى بها سابقا عن حديثه بملف النيل بعد تأكيده في ٢٥ يناير ٢٠٢٦ أن النهر يمثل شريان الحياة للشعب المصري الذي يعيش تحت ندرة مائية حادة، وأن الأمن المائي قضية وجودية لا تقبل الإجراءات الأحادية. لكن المشكلة لم تعد في تعريف الخطر، او الخطابات العنترية بل في اتساع الفجوة بين دقة التشخيص وضعف الفعل السياسي القادر على وقف التصعيد الإثيوبي.
إثيوبيا توسع الوقائع ومصر تكرر التحذير
أوضحت التطورات الأخيرة أن القاهرة تواجه مساراً إثيوبياً لا يكتفي بسد النهضة بعد إعلان خطط لبناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، مع بدء إجراءات طرحها على الشركات المنفذة خلال مارس ٢٠٢٦. وهذا يعني أن الأزمة لم تعد مرتبطة بسد واحد أو بجولة تفاوض متعثرة، بل باتت مرتبطة بمحاولة فرض واقع مائي جديد فوق مجرى النهر قبل أي اتفاق قانوني ملزم.
لفت هذا التحول الانتباه لأن إثيوبيا كانت قد أعلنت في يوليو ٢٠٢٥ اكتمال سد النهضة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الحديث عن مشروعات إضافية على النيل الأزرق، بما يؤكد أن ما جرى طوال السنوات الماضية لم يكن خلافاً فنياً محدوداً، بل مساراً سياسياً متدرجاً لتوسيع السيطرة المنفردة على تدفقات المياه. وعند هذه النقطة يصبح الاكتفاء المصري بالرفض اللفظي أقل من مستوى الخطر القائم.
وفي هذا السياق يبين الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن القاهرة لم تتخل عن المسار الدبلوماسي لكنها ما زالت تراهن على اتفاق يحمي الحقوق المائية، بينما تشير تصريحاته الأخرى إلى أن السياسات الإثيوبية الأحادية أفضت بالفعل إلى حجز كميات ضخمة من المياه كانت متجهة إلى دول المصب. وهذا التوصيف يضع الأزمة في إطار ضرر قائم لا مجرد خطر محتمل.
التشخيص الرسمي صحيح لكن أدوات الضغط غائبة
أكدت وزارة الخارجية في عرضها الرسمي لملف المياه أن مصر من أكثر دول العالم جفافاً، وأنها تعتمد على النيل بشكل شبه مطلق في مواردها المائية المتجددة، كما شددت في أكثر من مناسبة على رفض الإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولي في حوض النيل الشرقي. لكن تكرار هذا الموقف لم يغير شيئاً جوهرياً في سلوك أديس أبابا، لأن الاعتراض وحده لا يوقف مشروعاً يتحرك على الأرض.
وفي ظل هذا التناقض، تبدو معضلة القاهرة أن خطابها الرسمي صار أكثر صلابة في اللغة من نتائجه في السياسة، إذ تتحدث الدولة عن حقها في حماية أمنها المائي وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، بينما لا يظهر حتى الآن مسار تفاوضي جديد قادر على إلزام إثيوبيا بقواعد تشغيل أو بآلية رقابة أو بإخطار مسبق فعلي قبل أي مشروع إضافي.
ويرى الدكتور ضياء القوصي، مستشار وزير الري الأسبق، أن المشكلة لم تعد في الوعود الإثيوبية بل في أن السد نفسه لم يحقق حتى الآن ما روّجت له أديس أبابا من كفاءة تشغيلية كاملة، مع استمرار الخلاف القانوني حول الملء والتشغيل. وهذه القراءة تفضح خللاً أساسياً، لأن مصر تجد نفسها في مواجهة مشروع متنازع عليه قانونياً، ومع ذلك تسمح الوقائع السياسية بتوسعه من دون تكلفة مقابلة.
من التفاوض الطويل إلى مأزق النتيجة الصفرية
أشارت وقائع الملف إلى أن المفاوضات الممتدة منذ ٢٠١١ لم تنجح في إنتاج اتفاق ينظم ملء السد وتشغيله، رغم أن القاهرة كررت قبولها بالتنمية في إثيوبيا بشرط عدم الإضرار بمصالح دول المصب. وبعد نحو أربعة عشر عاماً، لم تحصل مصر على اتفاق ملزم، بينما حصلت إثيوبيا على السد، ثم على الملء، ثم على الافتتاح، ثم انتقلت إلى الإعلان عن سدود جديدة.
وفي موازاة ذلك، تكشف القراءة السياسية للأزمة أن الزمن عمل لمصلحة الطرف الذي يبني لا لمصلحة الطرف الذي يحتج، لأن التفاوض حين يمتد من دون أدوات ضغط يتحول عملياً إلى غطاء زمني لتثبيت الأمر الواقع. ولهذا لم يعد السؤال متعلقاً بصحة البيانات المصرية، بل بقدرتها على تحويل الموقف القانوني إلى تكلفة سياسية ودبلوماسية واقتصادية على الطرف الذي يخرقه.
ويؤكد الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الري الأسبق، أن أزمة السد ليست وليدة اللحظة وأنها ترتبط بمشروع أوسع يمس الأمن المائي المصري، وهي قراءة قد يختلف البعض مع بعض تفاصيلها، لكنها تلتقي مع حقيقة ثابتة وهي أن ما تواجهه القاهرة ليس خلافاً موسمياً بل مساراً استراتيجياً طويلاً. ومن ثم فإن إدارة الملف بعقلية التصريح الدوري تعني ترك الخطر يتراكم ثم الاعتراف به بعد وقوعه.
وفي الختام فإن الأزمة بمرحلتها الحالية تمر بمعادلة شديدة القسوة على مصر، لأن الدولة تقول بوضوح إن النيل قضية وجودية، بينما تواصل إثيوبيا تحويل النهر إلى ساحة قرارات أحادية ومشروعات متتابعة. وهذه المعادلة لا يمكن كسرها ببيانات أشد لهجة فقط، بل بخطة ضغط معلنة ومتدرجة تربط كل خطوة إثيوبية بكلفة مقابلة، وإلا فإن الخطر الذي تصفه القاهرة اليوم سيتحول غداً إلى واقع دائم يصعب التراجع عنه.

