أعادَ قرارُ الحكومة غلقَ المحلات والمطاعم والكافيهات والمولات في التاسعة مساءً، بدءًا من الثامن والعشرين من مارس، فتحَ ملف أثقل من مجرد تنظيم مواعيد العمل، لأن القرار صدر في لحظة ضغط اقتصادي ومعيشي واضح، ثم تبعته استثناءات واسعة للمدن والمنشآت السياحية، بما كشف أن الدولة تعرف حجم الخسارة المحتملة لكنها اختارت مع ذلك تحميل السوق المحلية الكلفة المباشرة، وتوضح البيانات المنشورة أن القرار يسري لمدة شهر مع استثناءات لقطاعات وأنشطة محددة ولمدن سياحية رئيسية.

 

وأوضح هذا المشهد أن المشكلة لم تعد في نص القرار فقط، بل في الصمت الذي أحاطه من الإعلام الرسمي ومؤسسات الدولة، إذ لم يظهر نقاش جدي يشرح لماذا وصل بلد أعلن مرارًا عن اكتشافات غازية جديدة إلى مرحلة إطفاء الشوارع في بعض القرى وتقليص ساعات النشاط الاقتصادي، وحين يغيب التفسير المقنع لا يبقى أمام الناس سوى المقارنة بين الرواية الرسمية القديمة عن الفائض والرواية الحالية عن العجز والاستيراد، وتربط الحكومة القرار بخطة ترشيد استهلاك الطاقة في ظل ضغوط على إمدادات الغاز وتكلفة الاستيراد.

 

الغضب على مواقع التواصل لم يأت من فراغ بل من خوف اجتماعي مباشر

 

ولفتت التعليقات المتداولة على مواقع التواصل إلى أن جوهر الغضب لا يتعلق بساعات العمل وحدها، بل بالخوف من اتساع أثر القرار على العمالة اليومية وصغار التجار وأصحاب المقاهي والمحال، فمصطفى بدوي كتب أن السؤال المحير هو كيف انتقلت مصر من الحديث عن فائض وتصدير إلى الاستيراد وقرارات تخفيف أحمال وإطفاء شوارع.

 

 

بينما سخر آخرون من قائمة الاستثناءات ورأوا أنها تكشف تناقض القرار نفسه لا قوته.

 

 

ويبين هذا التفاعل أن الشارع قرأ القرار باعتباره عبئًا جديدًا يضاف إلى الأسعار والإيجارات وتراجع الدخول، لا باعتباره إجراءً إداريًا عابرًا، فالتعليقات التي انتشرت لم تناقش فقط فكرة الغلق، بل ناقشت من سيدفع ثمنه فعلًا، وهل فكرت الحكومة في بدائل تحافظ على الاستهلاك الرشيد من دون شل ساعات البيع المسائية التي يعتمد عليها قطاع واسع من العاملين، وتؤكد التغطيات المنشورة أن القرار يبدأ تطبيقه في الثامن والعشرين من مارس ويشمل الأنشطة الخاضعة لقانون المحال العامة مع استثناءات محددة.

 

وأكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن القرار محترم ويتماشى مع ظروف المرحلة الضاغطة، معتبرًا أن ترشيد الطاقة أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل.

 

لكن هذا الرأي رغم وضوح منطقه المالي لا يجيب عن السؤال الاجتماعي الذي طرحه الغاضبون، لأن الانضباط في الاستهلاك شيء، والضغط على دورة العمل اليومية لقطاعات كاملة شيء آخر، ومن هنا بدا أن الرواية الرسمية تتحدث بلغة الأرقام بينما يرد الشارع بلغة الخسارة اليومية المباشرة.

 

وفي موازاة ذلك، أعادت منشورات أخرى صياغة الغضب بصورة أكثر حدة، إذ هاجم عمر القرار بوصفه غير مدروس ويحرم ملايين من أصحاب اليومية من موردهم، بينما طالبت سيدة متداولة عبر منصة أخرى بإعادة النظر فيه لأنه يضر المواطنين، وكتب إحسان أن الناس باتت تقرأ القرار ضمن سياق أوسع من الغلاء والتوتر الأمني، وهذه اللغة تكشف أن الاعتراض لم يعد فنيًا، بل سياسيًا واجتماعيًا في آن واحد.

 

 

 

 

مقارنة مرسي لم تظهر بوصفها حنينًا بل بوصفها اتهامًا بازدواجية الدولة

 

وأشار هذا الغضب إلى مقارنة تتكرر بقوة، وهي أن قرار الغلق الحالي أعاد إلى الأذهان فترة محمد مرسي حين فُرض حظر التجوال في مدن القناة من التاسعة مساءً حتى السادسة صباحًا في يناير 2013، ثم جرى لاحقًا تمديد إجراءات مشابهة في مراحل تالية من الاضطراب، والمفارقة التي يستدعيها كثيرون الآن أن الدولة وقتها كانت تصف تلك المرحلة باعتبارها استثنائية سياسيًا وأمنيًا، بينما تفرض اليوم قيودًا ليلية تحت عنوان اقتصادي من دون خطاب صريح يكشف الحقيقة كاملة.

 

وفي ظل هذا الاستدعاء، يستعيد بعض الغاضبين أيضًا صورًا ومشاهد من سنوات ما بعد عزل مرسي حين كانت المحافظات، ومنها الإسماعيلية، تشهد انتشارًا أمنيًا كثيفًا مع بدء الحظر الليلي، وبالنسبة إلى هؤلاء فإن المقارنة لا تدور فقط حول التوقيت، بل حول معنى السلطة نفسها، إذ بدا لهم أن ما كان يُقدَّم قديمًا باعتباره ضرورة أمنية عاد اليوم في صيغة اقتصادية، بينما بقي المواطن وحده مطالبًا بالتكيف ودفع الثمن، وقد وثقت تقارير صحفية من عام 2013 انتشار الجيش والشرطة مع بدء الحظر في الإسماعيلية ومدن أخرى.

 

ويرى الدكتور علاء عز، مستشار رئيس اتحاد الغرف التجارية، أن هناك بدائل أقل ضررًا كان يمكن اللجوء إليها، من بينها تبكير ساعات العمل إلى السابعة صباحًا بدل تقليص النشاط مساءً، وأهمية هذا الطرح أنه يصدر من جهة تعرف تفاصيل السوق اليومية وتدرك أن الساعات الأخيرة من اليوم ليست رفاهية بل تمثل ذروة الحركة التجارية في قطاعات كثيرة، ولذلك فإن المقارنة مع عهود سابقة تجد أرضًا خصبة حين تشعر السوق أن القرار صدر بعقلية الضبط لا بعقلية الإدارة الاقتصادية.

 

الاستثناءات السياحية حمت الدولار وفضحت اختلال الأولويات

 

وفي موازاة الاحتجاج الشعبي، جاء استثناء جنوب سيناء والأقصر وأسوان والغردقة ومرسى علم والمنشآت السياحية في القاهرة والجيزة ليمنح الناس دليلًا إضافيًا على أن الحكومة تعرف موضع حساسيتها الحقيقية، فهي لم ترد أن يشعر السائح بتراجع الخدمة أو انكماش الحركة الليلية، بينما قبلت أن يشعر التاجر والعامل وصاحب المقهى المحلي بكل ذلك دفعة واحدة، وتؤكد التصريحات الرسمية أن السائح لن يتأثر وأن مستوى الخدمات سيظل ثابتًا في المقاصد السياحية.

 

وأكد حسام الشاعر، رئيس اتحاد الغرف السياحية، في تصريحات سابقة خلال مارس أن القطاع السياحي قادر على مواصلة النمو رغم التوترات.

 

وهو ما يفسر لماذا سارعت الدولة إلى تحصينه من أثر الغلق المبكر، لكن هذه الحماية نفسها كشفت ازدواجية الأولويات، لأن الحكومة حين خافت على تدفقات النقد الأجنبي تصرفت بسرعة، وحين تعلق الأمر بالسوق المحلية اكتفت بفرض القرار وترك الناس لمواجهة نتائجه، كما تظهر منشورات متداولة أن بعض المواطنين اقترحوا بدائل أخرى مثل مواجهة سرقات الكهرباء وأفراح الشوارع بدل خفض ساعات العمل المشروعة.

 

 

 

 

ولفت هذا التناقض إلى أن الصمت الإعلامي لم يخفف الأزمة بل ضاعفها، لأنه ترك مواقع التواصل تتحول إلى ساحة تفسير بديلة، فيها سخرية نسرين نعيم من القرار، وفيها أسئلة الغاضبين عن الغاز والكهرباء، وفيها اتهام مباشر للحكومة بأنها تدير البلد بالحل الأسهل لا بالحل الأعدل، وحين تتراجع الرواية الرسمية إلى هذا الحد يصبح الغضب أكثر تنظيمًا من الخطاب الحكومي نفسه، ويصبح القرار عنوانًا لأزمة ثقة لا لأزمة طاقة فقط.

 

 

وأخيرًا، لا تبدو مشكلة قرار غلق المحلات عند التاسعة مساءً في موعده وحده، بل في المعنى الذي حمله إلى الناس، إذ رآه كثيرون اعترافًا غير مباشر بأن الدولة لم تعد تملك سوى أدوات الضغط على الشارع والاقتصاد الصغير كلما تعقدت الأزمة، ولهذا لم تعد المقارنة بوقت مرسي مجرد مقارنة سياسية، بل صارت اتهامًا واضحًا بازدواجية المعايير، وما لم تقل الحكومة الحقيقة كاملة وتطرح بدائل عادلة، فإن قرار التاسعة لن يُقرأ باعتباره ترشيدًا، بل باعتباره إنذارًا جديدًا بأن السلطة تختار دائمًا الطريق الأسهل على حساب الناس.