افتتح الاجتماع الخامس لمجلس إدارة جهاز تنظيم إدارة المخلفات بعد إعادة تشكيله بقرار مجلس الوزراء رقم ١١٣٥ لسنة ٢٠٢٥، جولة جديدة من الوعود الرسمية بشأن ضبط المنظومة، لكن المناقشات نفسها كشفت أن الحكومة ما زالت تتحرك داخل دائرة القرارات التنظيمية بينما تبقى الأزمة الأهم في التنفيذ والرقابة اليومية. فكل ما طُرح من تعديلات وموافقات يعكس في جوهره اعترافًا متأخرًا بأن السوق سبق الجهاز، وأن الفوضى القائمة لم تعد قابلة للتغطية بعبارات التطوير المعتادة.
وأوضحت منال عوض في بداية الاجتماع أهمية دور المجلس في دعم العمل البيئي، غير أن ترتيب الملفات المعروضة أظهر أن الدولة لا تعالج ملفًا مستقرًا، بل تحاول لملمة اختلالات تراكمت عبر سنوات. فحين يصبح الاجتماع نفسه معنيًا بإعادة تعريف التراخيص، وتوسيع الأنشطة الخاضعة للتنظيم، وضبط مدد السريان، فهذا يعني أن المنظومة لم تكن تعمل بالدقة التي جرى الترويج لها، وأن الفجوة بين النص القانوني والواقع العملي ما زالت واسعة.
تراخيص جديدة تكشف حجم الارتباك القديم
لفتت أولى القرارات إلى دراسة مد مدة الترخيص الخاصة بمزاولة أنشطة إدارة المخلفات غير الخطرة لفترة أطول، مع الموافقة على تصنيفه طبقًا للتقسيم الوارد بالقانون. غير أن هذا التوجه، رغم ما يحمله من مظهر تنظيمي، يكشف قبل أي شيء أن التراخيص القائمة لم تكن كافية لضبط النشاط، وأن الجهات المعنية اكتشفت متأخرًا أن الترخيص العام لا يصلح لسوق شديد التعقيد والتشعب.
ويبين هذا المسار أن المشكلة لم تكن في نقص النصوص وحده، بل في السماح لأنشطة متعددة بالعمل تحت مظلات غير دقيقة، بما أضعف الرقابة وسمح بممارسات عشوائية وتسربات يصعب تتبعها. ولذلك فإن الحديث عن فصل التراخيص بحسب نوع المخلفات لا يبدو تطويرًا إداريًا بقدر ما يبدو محاولة لتدارك ارتباك سابق، كانت كلفته البيئية والرقابية أكبر من أن تُخفى وراء لغة الاجتماعات الرسمية.
ويرى الدكتور خالد علام، الخبير البيئي، أن إدارة المخلفات لا يمكن أن تتحول إلى قطاع اقتصادي منظم من دون بيانات دقيقة وآليات ضبط حقيقية، وهو ما ينسجم مع طرحه السابق بشأن ضرورة النظر إلى المخلفات باعتبارها موردًا اقتصاديًا لا عبئًا مهملًا. لكن هذا التصور يصطدم هنا بسؤال مباشر، وهو كيف يمكن الحديث عن فرص استثمارية واسعة بينما الجهاز نفسه لا يزال يعيد رسم الحدود الأساسية بين أنواع الأنشطة وآليات ترخيصها.
وفي موازاة ذلك، فإن إعلان إصدار نحو ٢٣٠٠ ترخيص لمزاولة أنشطة الإدارة المتكاملة للمخلفات غير الخطرة حتى الآن لا يقدم وحده دلالة إيجابية حاسمة. فوفرة التراخيص لا تعني تلقائيًا نجاح المنظومة، خصوصًا إذا كان الاجتماع الحالي يناقش أصلًا ضرورة إعادة تصنيف تلك الأنشطة وتشديد الرقابة عليها. وهنا يبدو الرقم أقرب إلى مؤشر على اتساع السوق واتساع الثغرات معًا، لا على اكتمال السيطرة عليه كما قد توحي الصياغات الرسمية.
تقنين كبس المخلفات بعد سنوات من الحركة خارج الضبط
أشار الاجتماع إلى إدراج نشاط فصل وكبس مخلفات التعبئة والتغليف ضمن أنشطة الإدارة المتكاملة للمخلفات غير الخطرة، وهي خطوة تبدو للوهلة الأولى فنية ومحدودة، لكنها في حقيقتها تكشف عن قطاع واسع ظل يعمل سنوات في منطقة رمادية. فلو كان هذا النشاط منضبطًا فعلًا، لما احتاجت الدولة الآن إلى تقنينه بهذه الصورة، ولما بدا جمع بياناته شرطًا مستجدًا لتطبيق نظام المسئولية الممتدة للمنتج.
وأكدت المناقشات أن تقنين الأوضاع سوف يضع اشتراطات ومعايير لممارسة هذا النشاط، مع حظر استقبال المخلفات البلدية أو العضوية أو الرطبة داخل المواقع، والالتزام باشتراطات تجهيزات الموقع وربط العمليات إلكترونيًا مع الجهاز. غير أن هذه الشروط، على أهميتها، تطرح في الوقت نفسه سؤالًا حادًا عن حجم الضرر الذي جرى قبل وضعها، وعن عدد المنشآت التي مارست النشاط فعليًا من دون هذا المستوى من الانضباط أو المتابعة التقنية.
وترى الأستاذة الدكتورة شيرين العجرودي، مدير مركز مصر المتميز لإدارة المخلفات الصلبة بكلية الهندسة في جامعة عين شمس، أن أي منظومة فعالة تحتاج إلى قاعدة بيانات دقيقة وربط واضح بين الإدارة الميدانية والاقتصاد الدائري. لكن ما يعكسه القرار الحالي هو أن الدولة لم تصل بعد إلى هذه المرحلة على نحو مكتمل، بل لا تزال تبني أبجديات التتبع والقياس في قطاع يفترض أنه جزء أساسي من دورة التدوير والإنتاج منذ سنوات.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح ربط تصريف هذه النوعية من المخلفات كمستلزم للمصانع الحاصلة على ترخيص من التنمية الصناعية اعترافًا ضمنيًا بأن السوق كان يتحرك بقدر من الانفصال بين المنتج والمصنع والجهة المنظمة. وهذا الربط، إن طُبق بصرامة، قد يحد من الفوضى، لكنه في المقابل يفضح أن المنظومة السابقة تركت مساحات واسعة للتعامل غير المنضبط مع مخلفات يفترض أنها تمثل مادة خام داخل اقتصاد التدوير.
تقييم الأثر البيئي واختبار الجدية في التطبيق
أوضحت القرارات كذلك إقرار ضوابط احتساب مدة سريان التراخيص والموافقات والتصاريح في التجديد، بحيث يبدأ سريان التجديد من تاريخ انتهاء الترخيص السابق. وهذه الخطوة، رغم منطقيتها، تعني ببساطة أن الباب كان مفتوحًا أمام تفسيرات وإجراءات غير منضبطة في ملف التجديد، وهو ما سمح بفراغات زمنية وإدارية لا تخدم سوى استمرار النشاط من دون محاسبة دقيقة أو مراجعة فعالة.
ويؤكد هذا التطور أن الدولة تحاول الآن غلق منافذ التراخي بعد أن أصبحت آثارها واضحة. فالتجديد ليس إجراءً شكليًا، بل لحظة مراجعة يجب أن تُبنى على بيانات تشغيل حقيقية ومخالفات مثبتة وتقييم أثر بيئي جاد. وإذا ظل التجديد مجرد تمرير إداري تحت ضغط الواقع، فلن تصنع المنظومة فرقًا، حتى لو ازدادت اللوائح والقرارات واتسعت العناوين الرسمية التي تتحدث عن الإصلاح.
وأشار هذا المسار أيضًا إلى موافقة المجلس على تحديد مقابل تقديم خدمات إبداء الرأي الفني في دراسات تقييم الأثر البيئي لأنشطة الإدارة المتكاملة للمخلفات. وهنا تبدو الرسالة مزدوجة، فمن جهة هناك اعتراف بأن تقييم الأثر البيئي عنصر حاسم لا يمكن تجاوزه، ومن جهة أخرى يظل التحدي الحقيقي في استقلالية هذا التقييم وصرامته، لا في مجرد إدراجه داخل قائمة الرسوم والخدمات المعتمدة.
وترى الدكتورة داليا عادل حبيب نخلة، الاستشارية البيئية المعتمدة من وزارة البيئة والعضو بمجلس إدارة جهاز تنظيم إدارة المخلفات، أن التقييم الفني المتخصص ضرورة أساسية لضبط أنشطة المخلفات الصلبة والخطرة وغير الخطرة. غير أن أهمية هذا الطرح ترتبط بشرط واضح، وهو ألا يتحول الرأي الفني إلى إجراء روتيني يمنح الغطاء القانوني للنشاط فقط، بينما تبقى الأرض مفتوحة لثغرات التنفيذ وضعف الرقابة وتكرار المخالفات.
وأخيرا فان نتائج الاجتماع صورة لا تسمح بكثير من التجميل، إذ بدا واضحًا أن الحكومة لا تطور منظومة مستقرة، بل تحاول إنقاذ منظومة كشفت بنفسها حدودها القديمة. فإعادة تصنيف التراخيص، وتقنين نشاط الكبس، وربط العمليات إلكترونيًا، وضبط مدد التجديد، كلها قرارات تؤكد أن الخلل كان أعمق مما تقوله البيانات الرسمية. وإذا لم تتحول هذه القرارات سريعًا إلى تفتيش حقيقي وعقوبات واضحة وربط إلزامي للبيانات، فسيظل الملف يدور في الحلقة نفسها، وتظل المخلفات أكثر انتظامًا على الورق منها في الشارع.

