دخل الحوثيون صباح السبت خط الحرب بصورة مباشرة بعدما أطلقت الجماعة صاروخًا نحو إيلات بعد شهر كامل من الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. وجاءت الخطوة بعد تهديد معلن بساعات قليلة، ما نقل المواجهة من مستوى الإسناد غير المباشر إلى مستوى الاشتراك العسكري المعلن، وفرض على إسرائيل والولايات المتحدة حسابات جديدة تتجاوز الجبهة الإيرانية المباشرة.
ضربة إيلات تنقل التصعيد من التهديد إلى التنفيذ
أوضحت الوقائع المعلنة منذ الصباح أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية فعّلت الإنذار المبكر أولًا، ثم قالت لاحقًا إنها لم تُطلق صافرات الإنذار بعد اعتراض الصاروخ قبل وصوله إلى إيلات، وهو ما أكدته بلدية المدينة أيضًا. وبالتوازي مع ذلك، أطلقت إيران صواريخ جديدة على إسرائيل، فيما استمر إطلاق الصواريخ من لبنان، وأطلق حزب الله مسيّرة انقضاضية حلّقت أربعين دقيقة قبل سقوطها في منطقة مفتوحة قرب حيفا.
ولفت هذا التسلسل إلى أن الصاروخ اليمني لم يكن حادثًا منفصلًا، لأن الجماعة كانت قد أعلنت قبل ساعات فقط أن “إصبعها على الزناد”، وحددت ثلاث حالات للانضمام إلى الحرب، تشمل دخول حليف جديد إلى جانب واشنطن أو تل أبيب، أو استخدام البحر الأحمر ضد إيران ودولة مسلمة، أو استمرار التصعيد ضد إيران ومحورها. وبهذا الانتقال، اكتمل انخراط حلفاء طهران تباعًا من لبنان والعراق ثم اليمن.
وفي هذا السياق، أكد فريع المسلمي، الباحث في شؤون اليمن في “تشاتام هاوس”، أن الضربات الخارجية لا تُرجح تراجع الحوثيين، لأن الجماعة أكثر استعدادًا وتسليحًا مما يفترضه كثير من المراقبين، كما أن الضغط العسكري يدفعها غالبًا إلى توسيع الرد لا تقليصه. وتدعم هذه القراءة فكرة أن إطلاق صاروخ إيلات جاء بوصفه تنفيذًا لقرار سياسي وعسكري محسوب، لا مجرد رد فعل سريع.
توقيت الانضمام يرتبط بحسابات إيرانية وبهوامش قرار حوثي مستقل
يبين تفسير التوقيت، كما أورده موقع “واينت”، أن إسرائيل قدّرت مؤخرًا أن إيران أبقت الحوثيين إلى ما سمّته “يوم الحسم”، أي اللحظة التي تقترب فيها الحرب من نهايتها وتحتاج طهران فيها إلى ضربة ختامية ترفع كلفة الإغلاق. لكن الموقع نفسه قال إن هذا التقدير لا يحسم ما إذا كانت إيران ترى النهاية قريبة فعلًا، أم أنها تريد تحسين موقعها قبل أي وقف لإطلاق النار.
وأكدت المعطيات نفسها أن الحوثيين هدّدوا مرات عدة منذ اندلاع الحرب، لكنهم امتنعوا عن التنفيذ حتى صباح السبت، ثم قدّموا انضمامهم باعتباره موجّهًا ضد إسرائيل والولايات المتحدة لا ضد “أي شعب مسلم”. وحملت هذه الصياغة رسالة مباشرة إلى دول الخليج التي طاولتها ارتدادات الحرب، كما عكست محاولة حوثية لضبط السرد السياسي بالتوازي مع توسيع الميدان العسكري.
وفي موازاة ذلك، تشرح إليزابيث كيندال، الباحثة المتخصصة في شؤون اليمن، أن العلاقة بين طهران والحوثيين لا تُقرأ بمنطق التبعية الكاملة ولا بمنطق الانفصال الكامل، لأن إيران تستفيد من “الإنكار الممكن”، بينما يحتفظ الحوثيون بهامش قرار خاص بهم. كما يرى فريع المسلمي أن الجماعة أظهرت قدرًا أعلى من المخاطرة من إيران نفسها، وهو ما يفسر إمكان توافق الطرفين على الهدف مع اختلافهما في حسابات التوقيت.
باب المندب يدخل المعركة بوصفه ساحة ضغط لا مجرد ممر بحري
أشار انتقال الحوثيين إلى الضربة المباشرة ضد إيلات إلى أن المعركة لم تعد تدور فقط حول تبادل النار بين إيران وإسرائيل، بل حول الممرات التي تربط الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط. فالنص المرسل يربط بين التهديد بفتح مضيق هرمز وبين قدرة الحوثيين على إعادة إشعال الضغط في باب المندب، وهو ما يرفع كلفة الحرب على الملاحة والطاقة وعلى ميناء إيلات الذي تعطلت حركته أصلًا بفعل الهجمات السابقة.
وفي ظل هذا الربط، نقل “واينت” عن مصدر أمني يمني معارض للحوثيين أن لجوء السعودية إلى خط الأنابيب الواصل إلى ميناء ينبع أفقد إيران جزءًا من ورقة هرمز، فانتقلت طهران إلى ورقة الحوثيين في البحر الأحمر. ووفق هذه الرواية، لا يقتصر الهدف على ضرب إسرائيل بالصواريخ والمسيّرات، بل يمتد إلى الإضرار بإمدادات النفط وفرض إدراج جبهة الحوثيين في أي وقف محتمل لإطلاق النار.
ويرى رون بن يشاي في “يديعوت أحرونوت” أن انضمام الحوثيين يحمل بعدًا عسكريًا استراتيجيًا لأن الجماعة تريد عرقلة مرور حاملتَي الطائرات الأميركيتين عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب إذا قرر دونالد ترامب توسيع العملية نحو هرمز أو الخليج. ويكتسب هذا التقدير أهمية إضافية مع خضوع “جيرالد فورد” للصيانة في كريت وإعلان البنتاغون تحرك “جورج بوش” مع مجموعة المهام المرافقة نحو المتوسط.
ويؤكد مايكل نايتس، الباحث في “معهد واشنطن”، ومعه فرزين نديمي، أن الحوثيين راكموا قدرات فعلية لتهديد السفن والممرات البحرية، وأنهم سيواصلون استخدام البحر الأحمر وباب المندب كنقطتي اختناق لفرض النفوذ الإقليمي. كما تشير دراسات المعهد إلى أن ترسانتهم ما زالت تضم صواريخ باليستية ومجنحة ومسيّرات بعيدة المدى قادرة على تهديد السفن التجارية والعسكرية على مسافات كبيرة، رغم الضربات السابقة.
وفي الختام فإن هذه التقديرات، تجزم أن إسرائيل ستجد نفسها أمام جبهة إضافية إذا قررت ضرب الحوثيين، وأن الولايات المتحدة ستواجه تهديدًا مباشرًا لأي حشد بحري واسع يمر من قناة السويس إلى البحر الأحمر. وبذلك لا يبدو انضمام الحوثيين تفصيلًا طارئًا في الحرب، بل خطوة رفعت مساحة الاشتباك، ووسعت كلفته، وربطت خاتمة المعركة في إيران بمصير الملاحة في باب المندب.

