كشف الغضب الذي ظهر في شهادات العمال والمصنعين أن قرار فرض رسوم الإغراق على خام البليت لم يحم الصناعة كما روجت الجهات الرسمية، بل نقل الأزمة إلى قلب المصانع والسوق معاً.
وأكدت الوقائع التي عرضها برنامج “صناع الفرصة” أن القرار رفع تكلفة الخام، وخفض التشغيل، ودفع سعر الطن إلى أكثر من 38 ألف جنيه، فيما بقيت المصانع تتحمل الخسائر والعمال يواجهون شبح التوقف.
قرار مفاجئ وأرقام متضاربة وراء الأزمة
أوضح المهندس محمد إسماعيل، خبير صناعة الصلب، أن قرارات فرض الرسوم على خام البليت صدرت من دون أي حوار مجتمعي مع الكيانات الاقتصادية الكبرى، وبنيت على تقارير تضمنت أرقاماً تخالف الواقع المسجل في الرقابة على الصادرات والواردات والجمارك المصرية.
وبذلك بدأ أصل الأزمة من قرار إداري اعتمد على تقديرات محل نزاع، لا على بيانات مستقرة ومعلنة ومتوافق عليها.
ولفت إسماعيل، خلال لقائه مع الإعلامية منال السعيد في برنامج “صناع الفرصة” على قناة “المحور”، إلى أن القرار صدر بصورة مفاجئة يوم الأربعاء 14 سبتمبر، ثم بدأ تطبيقه فعلياً يوم الأحد التالي مباشرة.
وقال إن هذا التسارع أدى إلى احتجاز شحنات البليت في الموانئ، ومنع المصانع من الإفراج عنها، في وقت كان أصحاب المصانع ينتظرون اجتماعات لبحث خفض الأسعار لا رفعها.
وأكد إسماعيل أن القرار استند إلى أرقام متضاربة بصورة صارخة، إذ ادعى نص القرار أن واردات البليت في 2024 بلغت 2.6 مليون طن، بينما ذكرت لجنة التحقيق أن الرقم 1.67 مليون طن، في حين تؤكد بيانات الجمارك والرقابة أن الكمية الفعلية لم تتجاوز 1.38 مليون طن.
ويكشف هذا الفارق أن القرار بني على أساس رقمي غير منضبط منذ البداية.
وأشار إسماعيل إلى أن هذا التفاوت في الأرقام ينسف الحجة الرسمية التي استخدمت لتبرير الرسوم، خاصة أن وزارة الصناعة كانت قد أصدرت رخصاً لزيادة الإنتاج بنحو 2.5 مليون طن لسد الفجوة بين طاقة مصانع الدرفلة البالغة 14 مليون طن، وبين إنتاج البليت المحلي البالغ 12.7 مليون طن.
وبذلك أقرت الدولة نفسها بوجود فجوة، ثم عادت وفرضت رسوماً تعمقها.
غضب المصنعين والعمال يكشف أثر القرار على التشغيل
أوضح أصحاب المصانع في الشهادات المصورة أن الرسوم رفعت تكلفة المادة الخام بصورة فورية، وأربكت دورة الإنتاج داخل مصانع الدرفلة التي تعتمد على البليت المستورد لتغطية الفجوة في الخام المحلي.
وقالوا إن المصانع لم تعد قادرة على العمل بطاقتها المعتادة، لأن ارتفاع تكلفة الخام تزامن مع ضعف القدرة الشرائية في السوق، وهو ما حول القرار من إجراء جمركي إلى سبب مباشر في شلل الإنتاج.
ولفتت هذه الشهادات إلى أن الإنتاج الشهري تراجع من نحو 60 ألف طن إلى أقل من 15 في المئة من الطاقة التصميمية في بعض المصانع.
وبذلك لم تعد الخسارة محصورة في هامش الربح، بل أصابت أصل التشغيل نفسه.
ومع استمرار هذا الوضع، باتت شركات كاملة مهددة بالإغلاق، بينما تستمر في دفع التكاليف الثابتة من دون إنتاج فعلي يغطي هذه الأعباء.
وأكد العمال في المقاطع المصورة أن تقليص التشغيل لم يتوقف عند أسوار المصنع، بل انعكس مباشرة على الأجور والاستقرار الأسري.
وقالوا إن ساعات العمل الإضافية توقفت، كما تراجعت الحوافز والمستحقات المرتبطة بالإنتاج، فأصبح الاعتماد على الأجر الأساسي فقط.
ومع هذا التراجع، فقدت أسر كثيرة جزءاً أساسياً من دخلها، وواجهت ضغوطاً معيشية متزايدة مع توقف العمل وضعف الشراء.
وفي موازاة ذلك، أظهر الفيديو الآخر غضب العمال من توقف العمل بسبب قلة الشراء وتراجع حركة السوق، وهو ما ربط بين ارتفاع السعر وضعف الطلب وتراجع التشغيل في حلقة واحدة.
وأكدت الشهادات أن العامل لم يعد يواجه فقط نقص الدخل، بل يواجه خوفاً مباشراً من البطالة.
وبذلك انتقلت الأزمة من بند جمركي إلى تهديد واضح لآلاف الأسر المرتبطة بالمصانع.
200 يوم من الرسوم رفعت السعر وهددت 24 مصنعاً
أوضح محمد إسماعيل أن نتائج القرار بعد مرور 200 يوم على تطبيقه يمكن تلخيصها في ثلاث وقائع مباشرة.
وقال إن السوق شهد انتعاشاً للاحتكار وسيطرة كيانات محدودة بعد إقصاء المنافسين، كما قفز سعر طن الحديد من 34 ألف جنيه إلى أكثر من 38 ألف جنيه، فيما استمرت المصانع المتوقفة في دفع الغاز والكهرباء وأجور العمالة من دون تشغيل يغطي هذه الكلفة.
وأكد إسماعيل أن هذه النتائج لا تمثل أزمة عابرة، لأن 24 مصنعاً تضم آلاف العمال باتت مهددة في استمراريتها.
فالمصنع المتوقف لا يتوقف عن السداد، بل يبقى ملزماً بفئات ثابتة للغاز والكهرباء والأجور والمصروفات التشغيلية الأخرى.
ولهذا، فإن استمرار الرسوم لا يعني فقط تراجع الإنتاج، بل يعني أيضاً استنزاف المستثمرين ودفع المصانع إلى خسائر متراكمة يصعب تعويضها.
وأشار إسماعيل إلى أن الحجة القائلة إن القرار يهدف إلى توفير العملة الأجنبية لا تصمد أمام الأرقام، لأن الفارق بين استيراد الخردة بسعر 380 دولاراً للطن واستيراد البليت بسعر 480 دولاراً لا يزيد على 100 دولار فقط.
وقال إن هذا الفارق المحدود لا يبرر تعطيل قطاع كامل، خاصة أن رسوم الإغراق بنسبة 10 في المئة لم تدعم الاقتصاد، بل حملت المصنعين خسائر إضافية.

