تشهد أسعار اللحوم الحمراء في مصر موجة جديدة من الارتفاع مع اقتراب موسم عيد الأضحى، في وقت لم تعد فيه الزيادة حدثًا موسميًا محدودًا يمكن امتصاصه بترقب ما بعد العيد، بل تحولت إلى ضغط مباشر على الأسر التي تواجه أصلًا كلفة معيشة متصاعدة. ومع كل زيادة جديدة، يتراجع حضور اللحوم على موائد قطاع أوسع من المصريين، ويصبح شراؤها قرارًا مرهقًا لا يدخل ضمن الإنفاق العادي لكثير من البيوت. وتكشف هذه الموجة أن السوق لم يعد يتحرك فقط بقانون العرض والطلب، بل بات يتحرك أيضًا تحت ضغط الوقود والدولار والأعلاف وتآكل الدخول.

 

تظهر الأزمة بوضوح أكبر لأن الزيادة الحالية جاءت في توقيت معروف سلفًا بحساسيته الاجتماعية والدينية، إذ يرتفع الطلب على اللحوم الحمراء مع موسم شراء الأضاحي، بينما يظل المعروض محدودًا وتظل تكلفة التربية والتسمين والنقل في صعود. وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا تواجه الأسر سعرًا مرتفعًا فقط، بل تواجه أيضًا غياب أفق واضح لانفراجة مستقرة، لأن التراجع المتوقع بعد العيد يبدو في أفضل الأحوال مؤقتًا، لا معالجة حقيقية لأسباب الغلاء نفسها.

 

قفزة الأسعار قبل الأضحى تضغط على الأسر وتوسع الفجوة بين السوق والدخل

 

ثم جاءت القفزة الأخيرة في الأسعار لتؤكد أن اللحوم دخلت بالفعل منطقة الاستهلاك المرهق لا الشراء المعتاد. فقد سجلت بعض القطع مثل الفخذ والماعز نحو 500 جنيه للكيلو، وتراوحت أسعار الكندوز بين 350 و450 جنيهًا، فيما بلغ متوسط اللحوم البلدي نحو 430 جنيهًا. وهذه الأرقام لا تعكس فقط حركة سوق موسمية، بل تعكس أيضًا تراجعًا واضحًا في قدرة الأسرة العادية على شراء البروتين الحيواني بالكميات التي اعتادت عليها.

 

كما يفسر اقتراب عيد الأضحى جزءًا من هذه القفزة، لأن زيادة الطلب في هذه الفترة تدفع الأسعار إلى أعلى حتى قبل الذروة الفعلية للشراء. وقد قال حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، إن أسعار اللحوم ترتبط بمواسم الاستهلاك المرتفع، متوقعًا زيادات مع زيادة الإقبال، كما أشار إلى أن السوق يتأثر أيضًا بزيادة أسعار الأعلاف خلال فترات التوتر والطلب المرتفع. وبذلك يظهر الموسم عاملًا ضاغطًا، لكنه ليس العامل الوحيد في الارتفاع.

 

وفي هذا السياق، يوضح سعيد زغلول، نائب رئيس شعبة القصابين، أن الأسواق تشهد ارتفاعات موسمية مع ازدياد الطلب في المناسبات الكبرى، وهو ما ظهر قبل رمضان ويظهر بصورة أشد مع الأضحى. وتكتسب هذه الشهادة أهميتها لأنها تصدر من قلب السوق نفسه، حيث يراقب القصابون التغير في الطلب وحركة المستهلكين يوميًا، ويعرفون كيف يدفع الموسم الأسعار إلى أعلى حتى قبل اكتمال موجة الشراء.

 

بعد ذلك، تصبح الزيادة أكثر قسوة حين تقارن بالدخول الفعلية للأسر، لأن كثيرًا من البيوت لم تعد قادرة على ملاحقة الغلاء في السلع الأساسية أصلًا، فكيف باللحوم. ولهذا يرى مراقبون أن اللحوم الحمراء تقترب من التحول إلى سلعة بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المصريين، بينما تضطر أسر كثيرة إلى تقليل الاستهلاك أو الاستغناء عنه تمامًا واللجوء إلى بدائل أقل كلفة، حتى مع ارتفاع أسعار هذه البدائل بدورها.

 

الوقود والدولار والأعلاف تنقل الأزمة من موسم عابر إلى خلل ممتد في التكلفة

 

ثم يتضح السبب الأعمق للارتفاع عند النظر إلى عناصر التكلفة التي تحكم السوق كلها. فقد قال مصطفى وهبة، رئيس شعبة القصابين بغرفة القاهرة التجارية، إن أسعار اللحوم تأثرت بالزيادة الأخيرة في البنزين والسولار وبأسعار الأعلاف، مؤكدًا أن استقرار السوق يرتبط مباشرة بحركة الدولار وكلفة مدخلات الإنتاج. وهذا الربط يوضح أن الزيادة الحالية ليست نتيجة مزاج تجاري فقط، بل نتيجة ضغط مركب على النقل والتربية والتوزيع.

 

كما يضيف حسين أبو صدام أن مصر تستورد نحو 40 في المئة من احتياجاتها من اللحوم، وحوالي 50 في المئة من مستلزمات الأعلاف من الخارج، ما يجعل صعود الدولار وارتفاع الأسعار العالمية عاملين مباشرين في السوق المحلية. وعندما ترتفع تكلفة اللحوم المستوردة أو الأعلاف المستوردة، فإن اللحوم البلدي نفسها لا تبقى بمنأى عن ذلك، لأن المنتج المحلي يدفع هو الآخر تكاليف تغذية وتسمين ونقل مرتبطة بالسوق العالمية.

 

وفي الاتجاه نفسه، قال هيثم عبد الباسط، رئيس شعبة القصابين بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن ارتفاع أسعار اللحوم يعود إلى عوامل متراكمة، في مقدمتها ضعف الإنتاج المحلي والاعتماد الكبير على الاستيراد. وتمنح هذه الشهادة بعدًا إضافيًا للأزمة، لأنها لا تربط الغلاء بزيادة عابرة في الوقود أو الأعلاف فقط، بل تربطه أيضًا بخلل هيكلي في قدرة السوق المحلية على تلبية الطلب دون الارتهان للخارج.

 

لذلك لا تبدو حالات البيع بأقل من التكلفة عند بعض المربين علامة صحة في السوق، بل علامة اضطراب داخلي فيها. فحين يضطر مربون إلى البيع بأسعار لا تغطي التكلفة لتفادي خسائر أكبر، فإن ذلك يكشف أن القطاع لا يتحمل التقلبات بسهولة، وأن حلقات الإنتاج نفسها تعمل تحت ضغط شديد. وهذه الحالة تخلق سوقًا متوترًا لا يستقر عند سعر عادل للمستهلك ولا يضمن في الوقت نفسه هامشًا آمنًا للمنتج.

 

غياب بدائل حكومية كافية يجعل الانفراجة بعد العيد محدودة ومؤقتة

 

لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود ارتفاع التكلفة، لأن غياب تدخل حكومي فعال ومستدام يزيد العبء على المستهلك. فرغم وجود منافذ حكومية تطرح اللحوم بأسعار أقل في بعض الفترات، فإن الفجوة بين هذه المنافذ وبين السوق الحرة تبقى واسعة، كما أن الكميات المحدودة لا تبدو كافية لمواجهة الطلب المتزايد في المواسم. ولهذا يرى متابعون أن طرح كميات موسمية لا يمثل سياسة شاملة لضبط السوق ولا يوفر حماية فعلية للفئات الأضعف.

 

ثم إن الرهان على انفراجة بعد عيد الأضحى لا يحمل ضمانة حقيقية للاستقرار. فقد أشار هيثم عبد الباسط في وقت سابق إلى أن أسعار اللحوم تراجعت بعد العيد بنسبة 20 في المئة بسبب الركود وزيادة المعروض داخل المنازل، وهو ما يدعم توقع حدوث هدوء نسبي بعد الموسم. لكن هذا النوع من التراجع، حتى إذا حدث، يبقى مرتبطًا بانخفاض الطلب المؤقت لا بزوال أسباب الأزمة المرتبطة بالتكلفة والاستيراد والأعلاف.

 

ومع ذلك، فإن هذا التراجع المؤقت لا يلغي أن السوق تظل معرضة للارتفاع من جديد بمجرد عودة الطلب أو تجدد الضغوط على الدولار والوقود والأعلاف. وقد قالت آراء منشورة هذا العام إن خفض الأسعار أو استقرارها يظل مرهونًا بتحسن كلفة العلف وسعر الصرف وتوسيع الإنتاج المحلي. وهذا يعني أن ما بعد العيد قد يمنح هدنة قصيرة للأسر، لكنه لا يغير القاعدة التي تحكم السوق حتى الآن.

 

وأخيرًا، تكشف موجة ارتفاع اللحوم الحالية أن الأزمة لم تعد في سعر كيلو يرتفع قبل موسم ديني ثم يتراجع بعده، بل في مسار اقتصادي يضع البروتين الحيواني خارج قدرة قطاع متزايد من الأسر. فمع ارتفاع الفخذ والماعز إلى 500 جنيه، ووصول البلدي إلى متوسط 430 جنيهًا، وتراكم أثر الوقود والدولار والأعلاف وضعف البدائل الحكومية، تبدو اللحوم الحمراء أقرب إلى سلعة موسمية مرهقة لا إلى غذاء أساسي متاح. ولهذا لا تبدو انفراجة ما بعد العيد سوى استراحة قصيرة في أزمة أطول.