فضح غياب رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات عن المثول أمام محكمة النقض حجم الاستخفاف الرسمي بالقضاء، بعدما تحولت جلسة كان يفترض أن تجيب فيها الهيئة عن أسئلة واضحة بشأن إعلان فوز القائمة الوطنية إلى مشهد جديد من المراوغة والتسويف.

ولم يعد الأمر مجرد خلاف قانوني حول نتيجة انتخابية، بل صار اختبارًا مباشرًا لمدى احترام السلطة لأحكام القضاء ولمبدأ المساءلة في ملف شديد الحساسية.

 

الغياب لم يكن إجراءً عابرًا بل رسالة سياسية

 

أوضح قرار محكمة النقض، حين أجلت نظر الطعن لاستجواب رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، أن المحكمة لم تكن تطلب ردًا بروتوكوليًا أو مذكرة شكلية، بل كانت تريد إجابة مباشرة من المسؤول الأول عن إدارة العملية الانتخابية.

وهذا في حد ذاته يكشف أن الطعن لم يكن هامشيًا، بل انطوى على وقائع وأسئلة رأت المحكمة أنها تستحق مساءلة صريحة لا تحتمل الاختباء خلف الأوراق أو خلف ممثلين قانونيين.

 

لفت مشهد الجلسة الأنظار أكثر حين لم يحضر رئيس الهيئة بنفسه، وحل محله ممثل عن هيئة قضايا الدولة، في تصرف بدا كأنه اختبار متعمد لحدود المحكمة ولقدرتها على فرض قراراتها.

وهنا لم تعد المشكلة في مجرد الغياب، بل في الدلالة السياسية لهذا الغياب، لأن المسؤول الذي يدير الانتخابات باسم القانون لا يملك أن يتعامل مع استدعاء القضاء كما لو كان تفصيلًا إداريًا يمكن الالتفاف عليه.

 

وأشار هذا التصرف إلى أن الهيئة، أو من يقف خلفها سياسيًا، تتعامل مع الطعن بوصفه إزعاجًا يجب احتواؤه، لا استحقاقًا قضائيًا يجب احترامه.

وعندما تصل الرسالة بهذه الصورة، يصبح من المشروع أن يتساءل الرأي العام إن كان هناك من قرر أن النتيجة الانتخابية محصنة سياسيًا مهما كانت الأسئلة القانونية المعلقة حولها، ومهما بدت التناقضات صارخة أمام الجميع.

 

وأكد المحامي بالنقض عصام الإسلامبولي، في أكثر من مناسبة، أن الجهة التي تدير الانتخابات لا بد أن تتحمل مسؤوليتها كاملة أمام القضاء والرأي العام، لأن استقلال الهيئة لا يعني أبدًا إعفاءها من المساءلة.

وهذا التقدير يكتسب هنا أهمية مضاعفة، لأن ما جرى لا يبدو مجرد تقصير شخصي، بل يعكس ذهنية تعتبر المنصب درعًا ضد الاستجواب بدل أن تعتبره تكليفًا يفرض الوضوح والرد.

 

من إعلان النتيجة إلى تعميق الشبهة

 

يبين تسلسل الوقائع أن الأزمة لم تبدأ يوم غاب رئيس الهيئة عن المحكمة، بل بدأت منذ اللحظة التي جرى فيها إعلان فوز القائمة الوطنية وسط طعون تتحدث عن عوار في إجراءات العملية الانتخابية بقطاع غرب الدلتا.

فعندما تصدر النتيجة أولًا ثم يطلب القضاء لاحقًا تفسيرًا لما جرى، تكون السلطة قد وضعت الجميع أمام أمر واقع سياسي، ثم أرادت من القضاء أن يلاحقها بعد فوات اللحظة الحاسمة.

 

وفي ظل هذا المسار، قال أستاذ القانون الدستوري صلاح فوزي إن الطعون على قرارات الهيئة حق دستوري أصيل، وإن القرارات الإدارية الصادرة عنها تظل خاضعة للرقابة القضائية.

وهذه القاعدة القانونية الواضحة تسقط أي محاولة لتصوير استدعاء رئيس الهيئة على أنه أمر استثنائي أو متجاوز، لأن الاحتكام للقضاء هو الأصل، أما التهرب من الإجابة فهو الذي يثير الريبة ويفتح الباب أمام الشكوك.

 

ويرى المتابعون أن الأزمة الحقيقية ليست فقط في سؤال من فاز ومن خسر، بل في سؤال كيف أُديرت العملية كلها حتى انتهت إلى قائمة واحدة تتحرك داخل مشهد يكاد يخلو من التنافس الحقيقي.

ومن هنا اكتسب الغياب معناه الكامل، لأنه بدا استمرارًا طبيعيًا لعقلية سياسية تدير الانتخابات باعتبارها وسيلة لإنتاج النتيجة المطلوبة، لا ساحة مفتوحة لخيارات الناخبين ومراقبة القانون.

 

وفي موازاة ذلك، تحول تأجيل الطعن من جلسة إلى أخرى إلى عنصر إضافي يضغط على الثقة العامة، لأن كل تأجيل بلا إجابة واضحة يمنح الانطباع بأن العدالة تُستنزف بالوقت بينما تبقى النتيجة قائمة في الواقع السياسي والإعلامي.

وهذه هي النقطة التي تجعل التهرب أخطر من الواقعة نفسها، لأن الإصرار على الصمت الرسمي يضاعف أثر الشبهة بدل أن يبدده.

 

خلفية الاحتكار السياسي ونتيجته على شرعية الانتخابات

 

أشار أستاذ العلوم السياسية مصطفى كامل السيد إلى أن النظام الانتخابي والتحالفات الواسعة التي ترعاها السلطة يضعفان فرص المنافسة الجدية ويقللان إمكان ظهور بدائل حقيقية.

وهذه الخلفية تفسر لماذا لم يتعامل كثيرون مع فوز القائمة الوطنية باعتباره نتيجة طبيعية لمنافسة متكافئة، بل رأوه ثمرة لترتيب سياسي سابق على يوم الاقتراع نفسه، وهو ما يجعل كل طعن لاحق أكثر خطورة.

 

وأكد عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الهيئة الوطنية للانتخابات تعرضت لانتقادات واسعة بسبب ما اعتبره انحيازًا واضحًا لصالح أحزاب الموالاة.

ومهما كانت صياغة الموقف السياسي، فإن الثابت أن صورة الهيئة اهتزت بشدة، وأن غياب رئيسها عن محكمة النقض لم يساعد على ترميم هذه الصورة، بل رسخ لدى خصوم السلطة وأنصارها على السواء إحساسًا بأن الشفافية غائبة.

 

ويرى كثيرون أن أخطر ما كشفته هذه القضية هو أن الدولة لا تريد فقط إدارة الانتخابات، بل تريد أيضًا احتكار تفسيرها والدفاع عنها وتحديد سقف المساءلة بشأنها.

وعندما يحدث ذلك، تنتقل الأزمة من نزاع قانوني حول دائرة أو قائمة إلى أزمة أعمق تمس معنى المؤسسات نفسها، لأن المؤسسة التي لا تحضر حين يستدعيها القضاء تفقد تلقائيًا جزءًا كبيرًا من احترامها العام.

 

وأخيرا اختتم هذا المشهد صورة شديدة القتامة عن حال السياسة في مصر، لأن السلطة التي تطلب من الناس الثقة في صناديق الاقتراع لا يجوز لها أن تتصرف كأن كبار مسؤوليها فوق الاستجواب وفوق الحضور وفوق التفسير.

ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط لماذا غاب رئيس الهيئة، بل من الذي يضمن له هذا الغياب، ومن الذي قرر أن القضاء يمكن معاملته كطرف مؤجل بينما تبقى إرادة السلطة هي النافذة فورًا.