تكشف المفاوضات الجارية حول دخول مستثمر إماراتي إلى شركة «إيفرجرو للأسمدة المتخصصة» التابعة لرجل الأعمال محمد الخشن عن أزمة أعمق من مجرد صفقة استثمار عادية.

فالعرض المطروح لا يدور حول توسع جديد أو شراكة إنتاجية طبيعية، بل حول محاولة إنقاذ شركة مثقلة بمديونية ضخمة للبنوك، عبر سداد نقدي يبلغ 30 مليار جنيه مقابل الحصول على حصة في الشركة، مع تنازل البنوك عن باقي المديونية التي تُقدَّر في مجملها بنحو 40 مليار جنيه.

 

وتحمل هذه الصيغة دلالة سياسية واقتصادية ثقيلة، لأن دخول المستثمر الإماراتي يأتي في لحظة لم تعد فيها مجموعة الخشن قادرة على تسوية الأزمة من مواردها الذاتية وحدها، بينما تبدو البنوك أقرب إلى قبول تسوية قاسية لتفادي تعثر أكبر عميل مديون في هذا القطاع.

وبدل أن يظهر الملف باعتباره قصة نجاح استثماري، فإنه يبرز بوصفه علامة جديدة على اقتصاد بات يفتح أبوابه لرؤوس الأموال الخليجية حين تصل المديونية المحلية إلى مستوى يهدد الاستقرار المصرفي نفسه.

 

صفقة إنقاذ أكثر منها صفقة توسع

 

بحسب ما نشرته الشروق، يدور التفاوض حول مساهمة مستثمر إماراتي بحصة في «إيفرجرو» مقابل سداد 30 مليار جنيه نقدًا للبنوك الدائنة، على أن تتنازل هذه البنوك عن الجزء المتبقي من المديونية، والذي يمثل نحو 10 مليارات جنيه بين فوائد وغرامات تأخير.

كما أشارت الصحيفة إلى أن توقيع تسوية الديون الدولارية قد يتم خلال أيام، مع احتمال منح الشركة تمويل رأس مال عامل بقيمة 70 مليون دولار بعد الاتفاق.

 

ويعني ذلك أن الصفقة المطروحة لا تُبنى على تقييم مريح لأصول الشركة بقدر ما تُبنى على منطق تقليل الخسائر.

فالبنوك لا تتجه هنا إلى تحصيل كامل مستحقاتها، بل إلى قبول سداد كبير وفوري يخفف عبء التعثر، بينما يحصل المستثمر الجديد على موطئ قدم داخل شركة ما زالت تملك حضورًا تشغيليًا ومبيعات سنوية قالت الشروق إنها تبلغ 12 مليار جنيه، بينها ما يعادل نحو 120 مليون دولار حصيلة تصديرية إلى أكثر من 80 دولة.

 

أزمة ديون ضخمة هزت صورة المجموعة

 

لا يمكن فهم العرض الإماراتي من دون العودة إلى حجم المديونية نفسها.

فقد ذكرت تقارير صحفية أن ديون مجموعة محمد الخشن و«إيفرجرو» للبنوك العاملة في مصر وصلت إلى نحو 40 مليار جنيه، وهي قيمة وُصفت بأنها من أكبر المديونيات في الجهاز المصرفي المصري.

كما أشارت «إيكونومي بلس» إلى أن هذه الأزمة برزت بقوة خلال الأيام الأخيرة، مع تصاعد الحديث عن إعادة هيكلة شاملة لديون الشركة.

 

لكن المشهد ازداد ارتباكًا بعدما صدر تعليق رسمي من الشركة نقلته «المصري اليوم»، قالت فيه «إيفرجرو» إن مديونيتها الفعلية تبلغ 11.8 مليار جنيه فقط، وإن ما يتردد عن 40 مليار جنيه لا يعكس الصورة الكاملة.

وهذا التضارب بين الرواية الصحفية الواسعة والرواية الرسمية للشركة يكشف أن الملف لم يعد مجرد أزمة سيولة، بل أصبح معركة حول توصيف الأزمة نفسها وحجم الخسارة وحدود المسؤولية.

 

البنوك تبحث عن مخرج والدولة تراقب بحذر

 

التحرك الجاري لا يبدو منفصلًا عن قلق رسمي أوسع داخل القطاع المصرفي.

فقد نقلت «مصراوي» عن بيان للبنك المركزي المصري دعوة إلى توخي الدقة والحذر في تناول مديونية أحد كبار العملاء، من دون الدخول في التفاصيل الكاملة المتداولة.

ويشير ذلك إلى أن القضية تجاوزت حدود نزاع شركة مع دائنيها، وأصبحت ملفًا حساسًا يمس الثقة في آليات الجدولة وإدارة التعثر داخل البنوك.

 

كما أن الشروق كانت قد ذكرت في فبراير 2026 أن البنوك عينت مستشارًا قانونيًا لتسوية مديونيات على «إيفرجرو» قُدرت حينها بنحو 42 مليار جنيه.

وهذا يعني أن المفاوضات الحالية مع المستثمر الإماراتي ليست مفاجأة، بل تمثل نتيجة لمسار تعثر طويل ومحاولات سابقة لإعادة الهيكلة، قبل أن يصل الملف إلى مرحلة البحث عن شريك خارجي يضخ سيولة كبيرة دفعة واحدة.

 

لماذا يثير العرض الإماراتي كل هذا الاهتمام

 

السبب لا يتعلق فقط باسم محمد الخشن أو بحجم الديون، بل بطبيعة اللحظة الاقتصادية المصرية نفسها.

فعندما يصبح الحل المطروح لأزمة بهذا الحجم هو دخول مستثمر خليجي مقابل تسوية مصرفية ضخمة، فإن الرسالة تتجاوز الشركة إلى السوق كله.

الرسالة هنا أن بعض الأصول الصناعية المصرية لم تعد تجد مخرجًا داخليًا سهلًا من أزماتها، وأن التمويل الخارجي، خصوصًا الخليجي، بات يظهر مرة أخرى كممر إنقاذ حين تتعثر التسويات المحلية.

 

كما أن حساسية الملف ترتبط بكون «إيفرجرو» ليست شركة هامشية.

فالشركة تعرض نفسها بوصفها مجموعة تأسست في 2006 وتعمل في صناعة الكيماويات والأسمدة المتخصصة، ما يجعل أي تغيير في هيكل ملكيتها أو ديونها مسألة ذات أثر على قطاع تصديري وصناعي مهم.

ولهذا تُقرأ الصفقة الجارية باعتبارها اختبارًا لقدرة السوق المصرية على إدارة التعثر الكبير، لا مجرد نقل حصة من مالك إلى مستثمر جديد.

 

بين إنقاذ الخشن وحماية البنوك

 

في المحصلة، لا يبدو العرض الإماراتي مجرد فرصة استثمارية عابرة، بل أقرب إلى صفقة إنقاذ مركبة: إنقاذ لمحمد الخشن من ضغط المديونية، وإنقاذ للبنوك من سيناريو تحصيل معقد وطويل، وإنقاذ لشركة ما زالت تملك تشغيلًا ومبيعات لكنها فقدت القدرة على تسوية عبء الديون بالشروط القديمة.

ولهذا فإن الحديث عن سداد 30 مليار جنيه لا يجب أن يُقرأ بوصفه رقمًا ماليًا فقط، بل باعتباره ثمنًا مباشرًا لتراجع نموذج توسع انتهى إلى أزمة هيكلة قاسية.