مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
الاقتصادات القوية هي من تحمي نفسها ومعها المواطن أمام أي صدمات طارئة وصراعات عنيفة، سواء كانت خارجية أو داخلية، صدمات من عينة حروب، مخاطر جيوسياسية واقتصادية وأمنية، زلازل وبراكين وجفاف وتضخم مستورد وغيرها.
فعقب وقوع الصدمة مباشرة تسارع حكوماتها بإعادة ترتيب الأولويات، سواء على مستوى التقشف وترشيد الإنفاق العام وإعادة ضبطه ومعه النظر في مخصصات الموازنة العامة للدولة والمشروعات الممولة.
يكون تركيزها الأول منصبا على حماية الطبقات الفقيرة والهشة والعمالة الموسمية، ودعم استقرار الأسواق وسلاسل التوريد، وتلبية احتياجات الدولة الرئيسية من سلع ومود خام وسلع وسيطة، مع ضبط الأسعار ومكافحة الاحتكارات.
تدعم تلك الحكومات أيضًا الأسواق المتضررة من الصدمات، خاصة المرتبطة مباشرة بالمواطن، مثل أسواق الأغذية والوقود والطاقة والسكن والعلاج، وتضخ فيها سيولة نقدية ودعم إضافي، وتخفض فواتير النفع العام.
تمنح مزايا مالية وتيسيرات للمتضررين من الصدمات سواء كان مستهلك أو أنشطة اقتصادية وخدمية، وتخفض الضرائب والرسوم خاصة المتعلقة بالسلع التي زاد سعرها بسبب الصدمات الخارجية، وتمنح بنوكها فرصة للمتعثرين لجدولة مديونياتهم المتأخرة.
أما الاقتصادات الهشة التي تقودها حكومات فاشلة فهي لا تصمد كثيرا أمام أي صدمة، تهتز بشدة عقب وقوع الخطر وربما قبل وقوعه، ترتبك بشكل واضح في إدارة الأزمة وهندسة الصراع الطارئ. تسارع بإصدار قرارات عشوائية وغير مدروسة تؤثر سلبا على المواطن والأنشطة الاقتصادية المختلفة. تصدر بيانات متلاحقة بهدف تخويف المواطن وابتزازه لا بهدف طمأنته ودعمه.
يكون همهما الأول هو انتزاع مزيد من الأموال من جيب المواطن لصالح موازنة الدولة والانفاق على المشروعات التي لا علاقة لها بالمواطن، ولذا فإن أول ما تفكر فيه هو زيادة أسعار مشتقات الوقود، ورفع فواتير الطاقة من بنزين وسولار وغاز، ومعها زيادة أسعار المواصلات العامة والخدمات من كهرباء ومياه، ورفع الرسوم والضرائب.
أهم ما يشغل تلك الحكومات أيضا هو استكمال المشروعات الكبرى التي تحظي بدعم سياسي وشو إعلامي، ولذا لا تجيد صناعة الفرصة بل تجيد اضاعتها، تفكيرها قاصر ولا تؤمن بدراسات الجدوى أو التفكير المستقبلي، همهما الأول هو إدارة الأزمة بشكل يومي، وممارسة سياسة ترهيب المواطن وتخويفه من الغد والسلطة القائمة.
والنتيجة أن صدمة مثل الحرب على إيران تربك المشهد بأكمله داخل تلك الاقتصادات الهشة، مثلًا نشهد تهاوي سريع في أسعار العملة المحلية، وهروب الأموال الساخنة من أدوات الدين والبورصات وأسواق المال، وقفزة في أسعار السلع داخل الأسواق المرتبكة التي قد تشهد اختناقات في بعض السلع الحيوية ونشاطًا ملحوظًا للاحتكارات وصائدي الصفقات وسماسرة الحروب.
كذلك يتعمق الركود التضخمي ويتراجع معدل النمو داخل الاقتصاد، مع ضغوط إضافية على القطاعات الإنتاجية، بل إن تلك الحكومات ترى في الحرب فرصة ذهبية لزيادة الإيرادات العامة، وتبرير فشلها في إدارة الاقتصاد وموارد الدولة وهدر المال العام، وتمرير أي خطة تقشفية سواء كان متفق عليها مسبقا مع المؤسسات الدولية الدائنة مثل صندوق النقد وغيره، أو طارئة في صالح الحكومة.
وبدلًا من أن تخفف تلك الحكومات الضغوط الشديدة على المواطن، وتوفر لقمة عيش للفقراء بسعر مناسب، وفرصة عمل للعاطلين، تمارس دور سمسار الحرب الذي يحقق مكاسب ضخمة من الكوارث أي كان طبيعتها، وتهرب من مسؤوليتها الاجتماعية تحت زعم أن البلد في حالة حرب، وعلى الجميع أن يتحمل لأننا، وحسب روايتها، في حالة حرب.

