لم يعد التهديد الأميركي مجرد لغة ضغط دبلوماسي قابلة للتأجيل بلا كلفة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال علنًا إن الولايات المتحدة قادرة على تدمير كل جسور إيران ومحطات توليد الكهرباء فيها خلال ساعات، وربط ذلك بمهلة تنتهي مساء الثلاثاء عند الساعة 8 بتوقيت الساحل الشرقي الأميركي، أي فجر الأربعاء بتوقيت القاهرة. تقارير أميركية متطابقة قالت إن فرص الاتفاق قبل هذا الموعد تراجعت بوضوح، وإن البيت الأبيض بات يتعامل مع الساعات الأخيرة باعتبارها مفترقًا بين صفقة متعثرة وضربة واسعة ضد بنية مدنية حيوية.

 

هذا التصعيد لا يقدمه ترامب باعتباره تهديدًا محدودًا، بل يطرحه بوصفه خطة جاهزة يمكن تفعيلها إذا لم تُفتح حركة الملاحة في مضيق هرمز أو إذا لم تُنتج المفاوضات تنازلًا إيرانيًا سريعًا. تقارير أكسيوس ووكالة أسوشيتد برس قالت إن الرئيس بدا أقل تفاؤلًا بإمكان التوصل إلى اتفاق، وإن فريقه التفاوضي ما زال يدفع نحو فرصة أخيرة، بينما بقي قرار الضربة بيده وحده حتى مساء الثلاثاء.

 

الأهداف التي يدفع بها ترامب إلى الواجهة قبل انتهاء المهلة

 

أول ما يثبته التسلسل الزمني أن ترامب كرر التهديد أكثر من مرة، ولم يكتف بإشارة عامة إلى الرد العسكري. وكالة أسوشيتد برس نقلت أنه هدد بضرب كل الجسور ومحطات الكهرباء إذا لم تستجب طهران قبل الثلاثاء الساعة 8 مساءً، كما نقلت أن تهديداته السابقة شملت آبار النفط ومحطات التحلية أيضًا، وهو ما يوسع دائرة الخطر على السكان مباشرة.

 

لكن التقارير المنشورة حتى مساء الثلاثاء لم تكشف قائمة أميركية رسمية بأسماء الجسور أو محطات الكهرباء المستهدفة. لذلك فإن الحديث الأدق توثيقيًا هو عن أبرز المنشآت التي ظهرت في التصريحات أو في التغطية بوصفها أهدافًا محتملة أو حساسة، لا عن قائمة عمليات أميركية معلنة. هذا الفارق مهم لأن البيت الأبيض تحدث عن “البنية التحتية” على نحو واسع، بينما بقيت التفاصيل التنفيذية غير منشورة.

 

ثم تبرز في مقدمة منشآت الطاقة المتداولة حقل جنوب فارس ومجمع عسلوية البتروكيميائي، لأن أسوشيتد برس وصفتهما بأنهما شريان طاقة أساسي لإيران. التقرير أوضح أن جنوب فارس يمثل أكبر مصدر للطاقة المحلية، وأن عسلوية تضم منشأة بتروكيميائية كبيرة قال وزير الدفاع الإسرائيلي إنها مسؤولة عن نحو 50% من الإنتاج البتروكيميائي الإيراني، ما يجعلها ضمن أكثر المواقع حساسية لأي تصعيد أميركي إسرائيلي أوسع.

 

كذلك يبرز اسم جزيرة خرج لأن ترامب كتب في 30 مارس أنه قد يستهدف “كل محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج وربما محطات التحلية”. هذا يجعل خرج ضمن المواقع التي ذُكرت صراحة في التهديد الرئاسي، حتى إن لم تُعلن واشنطن خطة تفصيلية نهائية. كما أن شمول محطات التحلية وآبار النفط يوضح أن نطاق التهديد يتجاوز العقد العسكرية إلى مرافق تمس الإمداد اليومي والاقتصاد معًا.

 

وبعد ذلك، تظل محطات التوليد الكبرى الأكثر تعرضًا نظريًا إذا نُفذ منطق “شل الشبكة” الذي لوح به ترامب. قواعد بيانات الطاقة المتاحة علنًا تُظهر ثقل محطات مثل نكا “شهيد سليمي” بقدرة 1760 ميغاواط، وشهيد رجائي في قزوين بقدرات تتجاوز 1000 ميغاواط، وهي منشآت مركزية في إنتاج الكهرباء الإيراني، ولذلك تُذكر بوصفها نماذج لمحطات عالية القيمة داخل أي تصور لاستهداف واسع للشبكة.

 

الجسور الأبرز وتأثير تعطيلها على الحركة والاقتصاد داخل إيران

 

أما على مستوى الجسور، فإن المشكلة نفسها تتكرر: لا توجد حتى الآن قائمة أميركية منشورة بالأسماء. ومع ذلك، فإن أكثر الجسور التي قد تُفهم ضمن دائرة الخطر هي الجسور التي تربط الحركة داخل خوزستان وعلى نهر كارون، لأن هذه المنطقة تقع في قلب الثقل النفطي والمينائي جنوب غربي إيران. الموسوعات الجغرافية تضع الأهواز على ضفتي كارون، وتربط خرمشهر بمصب النهر عند شط العرب، وهو ما يرفع أهمية معابرها.

 

ومن بين هذه المعابر يبرز الجسر الأبيض في الأهواز، والجسر الثامن في المدينة، إضافة إلى معابر خرمشهر على مجرى كارون ومحيطه. هذه الجسور ليست معلنة أميركيًا كأهداف مؤكدة، لكن قيمتها العملية تنبع من أنها تؤمن الربط داخل مدينة تقوم على ضفتي نهر حاكم للحركة، أو تصل بين عقد مرفئية ونفطية في إقليم خوزستان الذي ظل تاريخيًا مركزًا للطاقة والتجارة.

 

وبالتالي فإن ضرب الجسور لن يكون تفصيلًا تكتيكيًا منفصلًا عن ضرب الكهرباء. إذا تعطلت محطات التوليد وتقطعت المعابر الرئيسية في الوقت نفسه، فإن النقل الداخلي سيتباطأ، وسيتعطل وصول الخدمات، وسترتفع كلفة إدارة الموانئ والمناطق الصناعية، خصوصًا في الجنوب الغربي. هذا هو المعنى العملي لحديث ترامب عن “يوم البنية التحتية”، وهو أيضًا ما يجعل التهديد موجهًا إلى المجتمع الإيراني كله لا إلى مؤسسة عسكرية بعينها.

 

المهلة الأخيرة بين تعثر التفاوض والتحذير القانوني وخطر التوسع

 

وفي موازاة ذلك، قالت تقارير أميركية إن فرص التوصل إلى اتفاق قبل مساء الثلاثاء بدت ضعيفة بسبب الفجوة الكبيرة بين الموقفين الأميركي والإيراني. أسوشيتد برس قالت إن ترامب سبق أن مدّد مهلًا مماثلة، لكنه يلمح هذه المرة إلى أن الثلاثاء قد يكون نهائيًا، فيما قالت أكسيوس إن بعض الوسطاء طلبوا وقتًا إضافيًا لأن القرار الإيراني بطيء، لكن البيت الأبيض ربط أي تمديد بظهور مؤشرات إيجابية سريعة.

 

ثم يكتسب التحذير القانوني وزنًا خاصًا لأن التهديد لم يعد نظريًا. راشيل فانلاندهام، أستاذة القانون في مدرسة ساوث ويسترن الحقوقية والقاضية العسكرية السابقة في سلاح الجو الأميركي، قالت إن قطع الكهرباء عن المستشفيات ومحطات معالجة المياه يرجح سقوط مدنيين. ومايكل شميت، الأستاذ الفخري في الكلية الحربية البحرية الأميركية، قال إن استهداف منشأة كهرباء لا يكون مشروعًا إلا بشروط صارمة تتعلق بالضرورة العسكرية والتناسب وتقليل الضرر المدني.

 

وبينما يركز الخبيران على القانون، توسع إيلي جيرانمايه، الباحثة البارزة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، دائرة التحذير إلى النتيجة السياسية. جيرانمايه كتبت أن توسيع الحرب لن يحقق ما يريده ترامب، وأن إيران قد ترد عبر استهداف منشآت الطاقة وتعطيل الشحن في مضيق هرمز. هذا التقدير ينسجم مع تقارير أميركية قالت إن طهران تعتقد أنها ما زالت تملك أوراق ضغط على التجارة العالمية.

 

ولهذا السبب تبدو الساعات الأخيرة قبل انتهاء المهلة أخطر من أي مرحلة سابقة في هذا المسار. إذا اختار ترامب الضربة، فإن الأثر لن يقتصر على الكهرباء والجسور داخل إيران، بل سيمتد إلى أسعار النفط والملاحة الإقليمية وإمكانية انزلاق واشنطن إلى حرب أوسع. وإذا اختار التمديد، فسيكون قد اعترف عمليًا بأن تهديده الأقصى لم يكسر الموقف الإيراني بالسرعة التي وعد بها.

 

وفي الخلاصة، تكشف الوقائع المنشورة حتى مساء الثلاثاء أن جوهر التهديد الأميركي يقوم على شل البنية المدنية لإيران أكثر مما يقوم على استهداف عسكري دقيق ومعلن. المنشآت الأبرز المتداولة هي جنوب فارس وعسلوية وجزيرة خرج ومحطات التوليد الكبرى، أما الجسور الأبرز فتقع في عقد العبور داخل خوزستان والأهواز وخرمشهر. لكن الثابت الأهم أن واشنطن لم تنشر قائمة رسمية نهائية بالأهداف، وأن مجرد التهديد بهذا النطاق يضع المدنيين أولًا في دائرة الخطر المباشر.