لم يخرج الفيديو المتداول عن منفذ “مستقبل مصر” في المحلة الكبرى كواقعة شكوى استهلاكية عابرة، لأن ما ظهر فيه مسَّ جوهر الرواية الرسمية التي تبيع للناس منذ شهور فكرة بسيطة تقول إن المنافذ الحكومية أو شبه الحكومية جاءت لتخفيف الغلاء لا لتوسيعه، ولضبط السوق لا لنسخ أسوأ ما فيه.

غير أن المقاطع التي نشرتها شبكة رصد يوم 6 إبريل 2026 نقلت صورة مختلفة تمامًا، إذ تحدثت عن منفذ في ميدان الشون يعرض أسعارًا غير حقيقية، ويحصّل من المواطنين مبالغ أعلى عند الدفع، ويترك منتجات فاسدة داخل مكان يفترض أنه يبيع الغذاء تحت مظلة جهة تحظى بالنفوذ والحماية.

خطورة هذه الصورة لا تتعلق فقط بمخالفات بيع أو بتلاعب في فاتورة مشتريات، بل تتعلق بانهيار الثقة في نموذج يقال إنه دخل السوق لكسر جشع التجار، فإذا به، بحسب ما ورد في الفيديو والشهادات المرفقة به، يقدّم نسخة أكثر قسوة، لأنها تجمع بين غلاء السعر وحصانة الموقع وصمت المسؤول.

 

هذه النقطة بالذات هي التي فسرت الغضب الواسع على المنصات، لأن المواطن الذي ذهب إلى منفذ يحمل اسمًا رسميًا أو شبه رسمي لم يكن يبحث عن تجربة شرائية عادية، بل عن هامش نجاة من جنون الأسعار في سوق مفتوح على الاستغلال.

لكن الفيديو قال إن المواطن نفسه قد يخرج من هذا المنفذ وهو يدفع أكثر من السعر المكتوب، أو يحمل سلعة يقال إنها فاسدة، أو يواجه شبكة داخلية من العاملين والمديرين والجهات النافذة لا تكتفي بالأرباح بل تستند إلى نفوذ يمنع المحاسبة. ولهذا

 

لم تكن التعليقات الساخطة على السوشيال مجرد سخرية من اسم المنفذ أو من رداءة الخدمة، بل كانت رفضًا لفكرة أعمق، وهي أن جهة ترفع شعار خدمة المواطن قد تتحول، بحسب ما عرضه الفيديو، إلى طرف يضلله في السعر ويخفي عنه حقيقة السلعة ويطلب منه في النهاية أن يصدق أن ما يجري يجري لصالحه.

 

فيديو رصد وضع الاتهامات في الواجهة وفتح باب الفضيحة من ميدان الشون

 

ثم بدأت القصة علنًا مع الفيديو الذي نشرته شبكة رصد بعنوان صريح يتحدث عن فضيحة داخل منفذ “مستقبل مصر” في المحلة الكبرى، وقال إن المنفذ يشهد تلاعبًا بالأسعار وتضليلًا للمواطنين ووجود منتجات فاسدة.

الفيديو لم يكتف بوصف عام، بل عرض صورًا من داخل المكان وإيصالات شراء ورسائل منسوبة إلى عاملين ومتابعين للمشهد داخل المنفذ نفسه.

 

 

وبعد ذلك ركز الفيديو على نقطة أساسية تتعلق بالسعر المعروض والسعر الذي يدفعه الزبون فعليًا عند الكاشير، إذ أظهر لقطات لفاتورة ومنتج مع تعليق يقول إن الدفع يتم بأكثر من السعر المكتوب.

هذه النقطة مهمة لأن التلاعب هنا لا يظهر بوصفه اختلافًا عابرًا في ملصق أو خطأ فرديًا، بل بوصفه آلية بيع تمس حق الزبون في معرفة السعر الحقيقي قبل الشراء.

 

كما نقل الفيديو أن المنفذ يقع في ميدان الشون، وأشار بالاسم إلى العقيد فارس الأشوح والمدير أحمد غريب بوصفهما شخصيتين حاضرتين في خلفية المشهد الإداري داخل المنفذ، ثم أضاف أن العاملين والمواطنين وثقوا وجود منتجات فاسدة وأن الفساد متفشٍ في المكان.

هذه الصياغة ترفع مستوى الاتهام من مخالفة تجارية بسيطة إلى أزمة إدارة ورقابة ومساءلة.

 

وفي هذا السياق، يرى محمود العسقلاني، رئيس جمعية “مواطنون ضد الغلاء”، أن أخطر ما في أي منفذ يرفع شعار محاربة الغلاء هو أن يفقد ثقة الجمهور، لأن الزبون حين يكتشف أن السعر المعلن لا يطابق ما يدفعه أو أن السلعة موضع شك، فإنه لا يفقد الثقة في المنفذ فقط بل في فكرة التدخل لحماية المستهلك كلها.

هذا المعنى يفسر سبب الغضب الذي فجره الفيديو منذ لحظة نشره.

 

المنفذ الذي يفترض أنه أرخص متهم ببيع الوهم مع السعر والسلعة معًا

 

وبسبب هذه الاتهامات، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمدى صحة كل واقعة على حدة، بل بطبيعة النموذج نفسه الذي قُدم للناس على أنه بديل منصف عن السوق المنفلت.

فإذا كان المنفذ المدعوم بالاسم والنفوذ يعرض، وفق الفيديو، أسعارًا غير حقيقية ثم يترك المواطن يكتشف الفرق عند الدفع، فإن الأزمة تتجاوز التجارة إلى التضليل المباشر تحت لافتة الخدمة العامة.

 

وبعد هذه النقطة، يزداد الملف خطورة عندما يدخل الغذاء نفسه إلى دائرة الاتهام، لأن الحديث عن منتجات فاسدة لا يُعامل كخطأ شكلي أو كاختلاف تجاري على التسعير، بل كمسألة تمس سلامة الناس مباشرة.

الفيديو أظهر صورًا ورسائل منسوبة إلى عاملين ومستهلكين تتحدث عن سلع تالفة داخل المنفذ، وهو ما يجعل الرقابة الصحية جزءًا من جوهر القضية لا هامشًا بعيدًا عنها.

 

كما يوضح الدكتور حسين منصور، الرئيس السابق للهيئة القومية لسلامة الغذاء، أن الخطر في السلع الغذائية الفاسدة لا يقف عند حدود الرداءة أو الخسارة المالية، لأن سوء التداول أو العرض أو التخزين قد يحول السلعة إلى تهديد مباشر لصحة المستهلك.

هذا الرأي يضع التهمة المتداولة في مكانها الصحيح، لأن اتهام المنفذ ببيع غذاء فاسد، إذا ثبت، يصبح مسألة صحة عامة لا مجرد نزاع بيع وشراء.

 

وفي الاتجاه نفسه، يؤكد الدكتور إبراهيم عشماوي، مساعد أول وزير التموين ورئيس جهاز تنمية التجارة الداخلية، في أكثر من مناسبة أن انضباط السوق يبدأ من الشفافية في السعر والإعلان الواضح والفاتورة السليمة وتكافؤ المعلومات بين البائع والمشتري.

وهذا المعنى يجعل الفارق بين السعر المكتوب والسعر المدفوع قضية رقابية مباشرة، لأن السوق المنظم لا يترك الزبون يكتشف الحقيقة فقط عند ماكينة الحساب.

 

غضب المواطنين جاء ساخرًا لأن المنفذ يفترض أنه يحميهم لا أن يشارك في استغلالهم

 

وبينما كانت الاتهامات تتسع، خرج عمر المختار برد غاضب ربط فيه الواقعة بالنفوذ السياسي والحزبي، وسخر من خطابات الوطنية التي ترفع الشعارات بينما تترك سرقة الوطن تمر عاديًا.

هذا التعليق لم يكتف بإدانة المنفذ، بل وضع القضية في إطار أوسع يتعلق باستخدام أسماء كبيرة وشعارات أكبر لستر ممارسات يعتبرها الناس نهبًا منظمًا لا خدمة عامة.

 

 

أما أحمد فاختصر غضبه بسخرية أكثر حدة، حين قال إن اسم المكان نفسه يكفي لشرح رداءة ما يُباع فيه، مقترحًا بسخرية أن “مستنقع مصر” هو الاسم الأدق لا “مستقبل مصر”.

هذا النوع من التعليقات يكشف أن الأزمة لم تعد عند حدود الشكوى من سعر أو سلعة، بل وصلت إلى انهيار رمزي في اسم المشروع نفسه داخل وعي المتابعين.

 

 

وبعد ذلك، انتقل كريم من الغضب إلى الدعوة إلى المقاطعة، حين تساءل لماذا يذهب الناس أصلًا للشراء من هذا المنفذ ما دامت هناك سلاسل أخرى تقدم عروضًا وأسعارًا عادية، مطالبًا بترك البضاعة حتى تفسد داخل المكان نفسه.

هذه الصياغة تعني أن جزءًا من الجمهور لم يعد ينتظر إصلاحًا من الداخل، بل بدأ يتعامل مع المقاطعة كأداة عقاب مباشرة.

 

 

كما جاء تعليق سيد ليضيف عنصرًا اقتصاديًا واضحًا إلى الغضب، إذ قال إنهم يبيعون أغلى من غيرهم رغم أنهم يعملون على “رصيف المواطن” ومن دون أعباء إيجارية كتلك التي يتحملها التاجر العادي.

هذا الاتهام يضرب شرعية المنفذ من أساسها، لأن الجهة التي تحظى بامتيازات يفترض أن تبيع أرخص لا أن تستغل هذه الامتيازات في فرض أسعار أعلى.

 

 

وأخيرًا، لم يعد ما أثاره فيديو منفذ “مستقبل مصر” في المحلة الكبرى مجرد جولة غضب على السوشيال يمكن أن تنتهي بانطفاء التفاعل، لأن القضية تمس ثلاث نقاط دفعة واحدة.

الأولى أن منفذًا يفترض أنه أداة لتخفيف الغلاء صار متهمًا، وفق الفيديو والشهادات المتداولة، بزيادة العبء على الزبون.

والثانية أن الغذاء نفسه دخل منطقة الشبهة من باب الفساد وسوء العرض. والثالثة أن الغطاء الإداري والنفوذ جعلا الناس تقرأ الواقعة كصورة مصغرة من خلل أكبر في السوق والرقابة.

لذلك فإن أي رد جاد لا يبدأ بنفي الغضب ولا بالشكوى من السوشيال، بل يبدأ بتحقيق معلن في الأسعار والفواتير والسلع والرسائل والشهادات التي ظهرت، لأن المواطن الذي دخل المنفذ ليهرب من السوق لا يمكن أن يُترك بعدها ليكتشف أنه وقع في نسخة أشد خداعًا منه.