دخل مضيق هرمز مرحلة جديدة من التوتر بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني أن حركة الملاحة تباطأت بصورة حادة ثم توقفت تمامًا، بالتزامن مع اتهام طهران لإسرائيل بخرق وقف إطلاق النار في لبنان. هذا التطور لم يُقدَّم من الجانب الإيراني باعتباره حادثًا بحريًا منفصلًا، بل جرى ربطه مباشرة بالتصعيد الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، بما يوحي بأن طهران تريد استخدام واحد من أهم الممرات البحرية في العالم للضغط من أجل فرض تهدئة تشمل لبنان، لا أن تظل مقتصرة على التفاهم الهش بينها وبين الولايات المتحدة.
ويكتسب هذا الربط أهميته لأن إيران لم تكتفِ بإعلان التباطؤ أو التوقف في حركة السفن، بل دفعت برواية سياسية كاملة تقول إن الهجمات الإسرائيلية الواسعة على لبنان تمثل انتهاكًا لاتفاق وقف النار، وإن أي حديث عن استقرار في هرمز لا يمكن فصله عن وقف الغارات على بيروت والجنوب اللبناني. بهذا المعنى، لم يعد المضيق مجرد ساحة عبور للطاقة والتجارة، بل تحول إلى أداة ضغط مباشرة في قلب الاشتباك الإقليمي، وإلى رسالة تقول إن أمن الممرات البحرية لن ينفصل عن مسار الحرب الدائرة على الجبهة اللبنانية.
إيران تربط أمن هرمز بوقف النار على لبنان
أعلن الحرس الثوري الإيراني أن حركة الملاحة في مضيق هرمز تباطأت بشكل حاد ثم توقفت تمامًا، بعد ما وصفه بخرق إسرائيلي لوقف إطلاق النار في لبنان. هذا الإعلان جاء في لحظة شديدة الحساسية، لأن تقارير سابقة كانت قد تحدثت عن عودة تدريجية للملاحة بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ الثلاثاء، قبل أن تنقلب الصورة مرة أخرى مع تجدد القصف الإسرائيلي على لبنان.
ويعني هذا التطور أن إيران لم تتعامل مع الهدنة بوصفها تفاهمًا ثنائيًا مع واشنطن فقط، بل سعت منذ البداية إلى توسيع تفسيرها السياسي ليشمل الجبهة اللبنانية. لذلك قالت طهران إن الهجوم الإسرائيلي الواسع على لبنان يمثل انتهاكًا للاتفاق، رغم أن البيت الأبيض أكد في المقابل أن لبنان ليس طرفًا في وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التناقض يكشف أن كل طرف يقرأ الاتفاق بما يخدم أولوياته العسكرية والسياسية.
كما حاول الحرس الثوري إسناد روايته بإشارات ميدانية مباشرة، إذ قال إن ناقلتين نفطيتين أكدت إيران ملكيتهما عبرتا مضيق ملقا في وقت مبكر من اليوم، كما عبرت ناقلة تابعة للأسطول الصيني بسلام. لكن الحركة لم تستمر بعد ذلك، بحسب البيان الإيراني، لأن ناقلات إضافية لم تتبع هذا المسار، ولأن جميع السفن أوقفت تحركاتها بعد دقائق من شن إسرائيل ما وصفته طهران بهجوم واسع النطاق على لبنان.
ويُظهر هذا الترتيب في السرد الإيراني أن طهران أرادت تثبيت فكرتين في وقت واحد. الفكرة الأولى أن المضيق كان قابلًا للعمل في ظل الهدنة. والفكرة الثانية أن إسرائيل هي التي أفسدت هذا المسار عبر توسيع الحرب على لبنان. لذلك لم يأتِ الحديث الإيراني عن هرمز في صورة تقنية أو بحرية فقط، بل جاء في صورة اتهام سياسي مباشر يحمل إسرائيل مسؤولية تعطيل الملاحة وإرباك الأسواق.
ثم أضاف الحرس الثوري عنصرًا آخر إلى هذا الضغط عندما قال إن إحدى السفن التي كان من المقرر أن تعبر المضيق في الساعة العاشرة مساءً غيرت مسارها قرب المضيق وعادت أدراجها. هذه الإشارة لم تكن تفصيلًا ثانويًا، لأنها تعني أن مجرد الإعلان الإيراني، مع استمرار الغموض الأمني، صار كافيًا لدفع بعض السفن إلى تجنب العبور، وهو ما يمنح طهران نفوذًا فعليًا حتى من دون إعلان إغلاق قانوني ورسمي كامل للممر.
قطاع الشحن يترقب والخوف يسبق السفن
بدأ قطاع الشحن البحري التعامل مع الوضع الجديد من منطلق الحذر لا من منطلق الثقة، لأن الشركات المالكة والمشغلة للسفن لا تملك حتى الآن تصورًا واضحًا بشأن شروط العبور الآمن خلال فترة الهدنة التي تستمر أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران. هذا الغموض جعل أغلب الفاعلين في القطاع يتريثون بدل الاندفاع، خصوصًا مع استمرار الغارات على لبنان وتضارب الرسائل الصادرة من واشنطن وطهران وتل أبيب.
وقال تيم هكسلي، رئيس مجلس إدارة شركة ماندارين للشحن، إن الوقت لا يزال مبكرًا جدًا للجزم بأي شيء، مضيفًا أن بعض السفن قد تغادر المنطقة الآن، لكن الأجواء لا تزال مشحونة بالتوتر. هذا التقدير يعكس موقفًا حذرًا داخل القطاع، لأن الشركات تعرف أن أي قرار بالتحرك السريع قد يعرّض السفن والأطقم لمخاطر ميدانية وتأمينية لا يمكن تحملها بسهولة في ظل بيئة إقليمية متقلبة.
كما عبّر روبرتو جيانيتا، رئيس رابطة هونغ كونغ لخطوط الشحن، عن حذر مماثل، وقال إنه لو كان مالك سفينة أو مشغلًا لها ووجد نفسه عالقًا داخل الخليج، لانتظر عدة أيام قبل اتخاذ قرار العبور. وأضاف أن أي محاولة لإخراج السفن قد تتم خلال الأسبوع الثاني من الهدنة، وربما في شكل مجموعة متكتلة أو قافلة تسير إلى جوار سفن أخرى، إذا بدا أن التهدئة قابلة للصمود.
ويكشف هذا الطرح أن الخوف لا يتعلق فقط بإمكانية وقوع هجوم مباشر، بل يتعلق أيضًا بغياب المرجعية الواضحة التي تمنح التصاريح وتحدد الأولويات وتضمن مرور السفن ضمن قواعد ثابتة. لذلك بقيت تكاليف التأمين مرتفعة، رغم أن جهات الضمان اعتبرت الهدنة تطورًا إيجابيًا من حيث المبدأ. لكن هذه الجهات ما زالت ترى أن المخاطر كبيرة، خصوصًا في ظل عدم وضوح الجهة الإيرانية التي تمنح الموافقات اللازمة للعبور.
وفي هذا السياق، قال سايمون كاي، المدير العالمي لإعادة التأمين في شركة نورث ستاندرد، إن الوضع الحالي يفرض سياسة الترقب والانتظار. وأضاف أن المشهد لا يسمح بتحول حركة الخروج إلى اندفاع جماعي وفوضوي، لأن كل سفينة تحتاج إلى تصريح خاص قبل العبور. ثم طرح سؤالًا مركزيًا يتعلق بمن سيحصل على الأولوية، وهل ستكون الأفضلية لدول الخليج أم للسفن الأميركية أم لجهات نجحت في فتح قنوات اتصال خلفية مع طهران.
ويكتسب هذا التحذير أهمية إضافية لأن بيانات لويدز ليست أشارت إلى رصد ثلاث سفن فقط تعبر المضيق يوم الأربعاء، في حين تظهر بيانات موقع مارين ترافيك أن مئات السفن لا تزال عالقة داخل المنطقة، بما يشمل 426 ناقلة نفط و34 ناقلة غاز مسال. هذا التفاوت بين ضآلة العبور وحجم السفن المنتظرة يكشف أن الأزمة لم تعد مجرد توتر سياسي، بل صارت أزمة تشغيل فعلية تضغط على سلاسل الإمداد والطاقة والشحن معًا.
النفط يقف على حافة القفزة والهدنة الهشة لا تطمئن السوق
انتقل أثر هذا التباطؤ سريعًا إلى سوق النفط، لأن المضيق يمثل شريانًا حيويًا ينقل نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا في أوقات السلم. لذلك لم يكن غريبًا أن تتابع المؤسسات المالية الكبرى التطورات باهتمام بالغ، وأن تربط بين مدة التعطل المحتملة في المضيق وبين مسار أسعار الخام خلال ما تبقى من العام وحتى 2026.
وتوقعت مجموعة غولدمان ساكس أن يتجاوز متوسط سعر خام برنت 100 دولار للبرميل حتى عام 2026 إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لشهر آخر. وقال محللون من بينهم دان سترويفن إن الوضع لا يزال متقلبًا، مشيرين إلى أن تصريحات نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس نفسها تحدثت عن هشاشة الهدنة. وأضاف المحللون أن المخاطر التي تهدد توقعات الأسعار ما تزال تميل إلى الارتفاع لا إلى الانخفاض.
ثم أوضح البنك في السيناريو الأساسي أن تدفقات النفط عبر مضيق الخليج العربي قد تبدأ في الارتفاع خلال عطلة نهاية هذا الأسبوع، يليها تعافٍ تدريجي على مدى شهر واحد لصادرات الخليج إلى مستويات ما قبل الحرب. وعلى أساس هذا التصور، توقع البنك أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 82 دولارًا للبرميل في الربع الثالث و80 دولارًا في الربع الرابع، وهي أرقام تفترض أن نافذة التهدئة ستبقى مفتوحة.
لكن البنك وضع في المقابل سيناريو أكثر قتامة يقوم على تأجيل إعادة فتح المضيق لمدة شهر، ورجح في هذه الحالة أن يتجاوز متوسط سعر خام برنت 100 دولار للبرميل في النصف الثاني من العام. كما طرح سيناريو أشد خطورة يقوم على إغلاق أطول للمضيق مع فقدان جزء من الإنتاج الإقليمي، وتوقع في هذه الحالة أن يصل سعر خام برنت إلى 120 دولارًا في الربع الثالث و115 دولارًا في الربع الرابع.
وجاءت هذه التقديرات بينما بلغ سعر خام برنت مؤخرًا نحو 98 دولارًا للبرميل، بعد انخفاضه بنسبة 13% يوم الأربعاء بالتزامن مع إعلان الهدنة، علمًا بأن العقود الآجلة كانت قد ارتفعت أثناء الأزمة إلى 119.50 دولارًا. هذا المسار السعري الحاد يوضح أن السوق لا تتعامل مع التهدئة الحالية بوصفها تسوية مستقرة، بل بوصفها استراحة قابلة للانهيار السريع إذا استمر الغموض في المضيق وتصاعد القصف على لبنان.
وفي خضم ذلك، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أنه تم الاتفاق منذ وقت طويل على أن يكون مضيق هرمز مفتوحًا وآمنًا، مهددًا في الوقت نفسه باستئناف الأعمال العسكرية ضد إيران إذا لم يجر الالتزام الكامل بالاتفاق. لكن هذا التهديد لم يبدد القلق، لأن إيران أعلنت من جهتها مسارين آمنين محددين للسفن عبر جزيرة لارك، بينما بقيت شروط التطبيق الفعلي غير واضحة بالنسبة إلى السوق والشركات.
وتكشف هذه الوقائع مجتمعة أن إيران تستخدم تباطؤ الملاحة في مضيق هرمز كأداة ضغط مرتبطة مباشرة بوقف النار على لبنان، لا كورقة منفصلة عن المشهد العسكري الدائر. كما تكشف أن الهدنة الأميركية الإيرانية لم تنجح حتى الآن في طمأنة الشحن أو التأمين أو النفط، لأن إسرائيل تواصل توسيع عملياتها على الجبهة اللبنانية، ولأن طهران ترد بإفهام العالم أن استقرار البحر لن يتحقق ما دام القصف مستمرًا على البر اللبناني. لذلك لا يبدو هرمز اليوم مجرد ممر مائي مضطرب، بل ساحة مساومة مفتوحة على مستقبل الحرب والتهدئة في المنطقة كلها.

