استفاقت بيروت فجر الخميس على سلسلة غارات إسرائيلية عنيفة ضربت أحياء ومناطق متفرقة داخل العاصمة، بينما كانت السلطة اللبنانية تحاول إقناع الداخل والخارج بأن وقف إطلاق النار ما زال قائمًا وأن التصعيد يمكن احتواؤه.
غير أن الوقائع الميدانية نسفت هذه الرواية سريعًا، لأن القصف لم يتوقف عند الضاحية أو الأطراف، بل وصل إلى قلب المدينة بالتزامن مع ضربات موازية في الجنوب.
هذا المشهد أعاد لبنان إلى معادلة الحرب المفتوحة، وكشف أن الحديث عن التهدئة لم يعد يملك أثرًا عمليًا على الأرض.
جاء هذا التصعيد بعد يوم واحد شهد واحدة من أعنف موجات القصف على الأراضي اللبنانية منذ اندلاع المواجهة الحالية في 2 مارس، وهو ما رفع أعداد القتلى والجرحى خلال ساعات قليلة وأعاد الشكوك بقوة حول جدوى التفاهمات التي جرى الترويج لها بين واشنطن وطهران.
كما دفع هذا المسار إيران إلى إطلاق تحذيرات شديدة، بينما سارعت عواصم أوروبية إلى إعلان إدانتها للضربات الإسرائيلية وتحذيرها من تقويض أي هدنة قائمة أو مرتقبة.
اتساع الغارات من بيروت إلى الجنوب
بدأت الضربات في بيروت، لكنها لم تبق محصورة في العاصمة.
وكالات الأنباء وتقارير ميدانية متطابقة أفادت بأن الغارات امتدت إلى بنت جبيل وصور ومرجعيون، بينما شملت في الوقت نفسه بلدات العباسية وحبوش وجبشيت والمنطقة الواقعة بين حبوش ودير الزهراني.
هذا الاتساع الجغرافي حمل دلالة واضحة، لأن الجيش الإسرائيلي لم يتعامل مع الجنوب وحده بوصفه ساحة عمليات، بل وسع القصف ليشمل مراكز مدنية وممرات حيوية ومحيط العاصمة.
ثم أضافت الوكالة الوطنية للإعلام تفاصيل أخرى زادت الصورة قتامة، إذ تحدثت عن إصابات خطيرة بين المدنيين في العباسية، وعن غارات متزامنة على الشياح وكفرا والجميجمة وصفد البطيخ ومجدل سلم ودير انطار ومحيط جسر القاسمية، بالتوازي مع قصف مدفعي استهدف بلدة حاريص.
هذا التسلسل الزمني أظهر أن الضربات لم تكن محدودة الهدف، بل اتخذت طابعًا واسعًا ومنسقًا خلال فترة قصيرة.
وفي هذا السياق، قالت الباحثة لينا الخطيب إن التصعيد بين إسرائيل وحزب الله لا يبقى محصورًا في اشتباك حدودي، بل يحمل آثارًا إقليمية مباشرة ويتصل أيضًا بالفراغ السياسي اللبناني وبطبيعة نفوذ إيران داخل البلاد.
هذا التقدير يكتسب أهمية هنا لأن الضربات الأخيرة أظهرت مرة أخرى أن الجبهة اللبنانية لم تعد قابلة للفصل عن التوتر الإقليمي الأشمل.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات المظليين المنتشرة في جنوب لبنان حققت ما وصفه بالسيطرة العملياتية الميدانية، وقال إنه يواصل استهداف البنية التحتية بهدف تعزيز خطوطه الدفاعية الأمامية ومنع أي تهديد على شمال إسرائيل. غير أن هذا التوصيف العسكري الإسرائيلي جاء متزامنًا مع ارتفاع كبير في الخسائر المدنية واتساع نطاق الضربات، وهو ما جعل الرواية الإسرائيلية موضع تشكيك واسع داخل لبنان وخارجه.
المستشفيات والجيش اللبناني تحت ضغط الميدان
تزامن اتساع الغارات مع حالة استنفار لافتة في محيط مستشفى المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت مساء الأربعاء، حيث انتشرت وحدات من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي بكثافة عند مداخل المستشفى. هذا الانتشار أثار تساؤلات فورية في العاصمة، لأن المشهد بدا أكبر من مجرد تدبير إداري اعتيادي، خصوصًا في وقت كانت فيه الغارات تتسع والضحايا يتدفقون من أكثر من منطقة.
وبعد ذلك أصدرت إدارة المستشفى بيانًا توضيحيًا قالت فيه إن الإجراء جاء بالتزامن مع بدء الغارات الإسرائيلية على بيروت وضمن خطة طوارئ تستهدف رفع الجهوزية الطبية إلى أقصى حد. كما أوضحت الإدارة أنها طلبت دعم الجيش والقوى الأمنية لتنظيم استقبال المصابين وضمان سير العمل بسلاسة داخل المستشفى، مؤكدة أن الوجود الأمني يقتصر على القوات الرسمية اللبنانية فقط.
ويحمل هذا التطور معنى إضافيًا لأن الضغط لم يعد واقعًا على القرى الجنوبية وحدها، بل بات يطال بنية الاستجابة الطبية داخل العاصمة نفسها.
وعندما تحتاج إدارة مستشفى في بيروت إلى دعم أمني مباشر لتنظيم استقبال المصابين، فإن ذلك يكشف حجم الضغط الميداني الناتج عن الضربات الإسرائيلية وسرعة انتقال أثرها من جبهة القتال إلى المرافق المدنية التي يفترض أن تبقى خارج دائرة الاستهداف المباشر.
وفي هذا الإطار، قال كريس دويل مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني إن الحديث عن وقف إطلاق نار حقيقي في لبنان فقد معناه عندما لا يوجد ضغط فعلي على إسرائيل لاحترامه.
كما أكد أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني أن الحكومة اللبنانية تملك نافذة فرصة محدودة، لكن هذه النافذة قد تتبخر سريعًا إذا استمر الضغط الأمني والاقتصادي من دون دعم سياسي واضح.
أوروبا تحتج ووقف النار يفقد معناه
اتسع المشهد سياسيًا مع دخول فرنسا بقوة على خط الإدانة.
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو وصف الضربات الإسرائيلية على لبنان بأنها غير مقبولة، وأعلن تضامن بلاده الكامل مع الشعب اللبناني بالتزامن مع إعلان السلطات اللبنانية يوم حداد وطني.
كما شدد على أن اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة يجب ألا يظل محصورًا بطرفي النزاع، بل ينبغي أن يمتد إلى لبنان أيضًا.
ثم ربط بارو بين استمرار الضربات وبين تقويض أي هدنة مؤقتة تم التوصل إليها، وقال إن العمليات العسكرية المكثفة لا تساعد إلا في هدم مسار التهدئة.
كما أشار إلى أن أكثر من 250 شخصًا قتلوا خلال دقائق قليلة، لينضموا إلى حصيلة تجاوزت 1500 قتيل منذ اندلاع النزاع في 2 مارس.
هذا الربط الفرنسي بين الدم اللبناني ومصير الهدنة كشف اتساع القلق الأوروبي من انفلات المسار كله.
وفي السياق نفسه، حذرت بريطانيا من استبعاد لبنان من تفاهمات وقف إطلاق النار.
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر قالت إن لبنان يجب أن يكون جزءًا من الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، لأن تجاهله يفتح الباب أمام عودة الصراع.
كما ربطت بين استمرار القصف على لبنان وبين اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، وهو ما وسع أثر الأزمة من المجال العسكري إلى الاقتصاد الدولي.
وفي قراءة أوسع لهذا المسار، قال فيراس مقصد إن لبنان يقف عند مفترق سياسي حرج بعد وقف النار السابق، كما رأى أن إسرائيل تدرك كلفة أي احتلال طويل لجنوب لبنان.
هذه الملاحظة تكتسب وزنها الآن لأن الجيش الإسرائيلي يتحدث عن سيطرة عملياتية ميدانية، بينما تشير الوقائع إلى حرب مفتوحة لا تضمن لإسرائيل حسمًا سريعًا ولا تضمن للبنان حدًا أدنى من الاستقرار.
لكن التناقض الأساسي بقي حاضرًا بين من يقول إن لبنان مشمول بالتفاهم ومن ينفي ذلك.
الولايات المتحدة وإسرائيل قالتا إن الهدنة لا تشمل الساحة اللبنانية، بينما أصرت إيران وباكستان ودول أوروبية على أن لبنان يجب أن يدخل ضمن أي ترتيبات جدية لوقف النار.
هذا التضارب لم يبق خلافًا دبلوماسيًا نظريًا، لأن نتائجه ظهرت مباشرة في سماء بيروت وعلى طرق الجنوب وفي أقسام الطوارئ.
وفي المحصلة، لم تعد القضية تتعلق بغارة هنا أو بلدة هناك، بل بمسار تصعيد يضرب العاصمة والجنوب معًا ويكشف أن وقف إطلاق النار القائم لا يملك تعريفًا واحدًا ولا ضمانة واحدة.
وعندما تتحول بيروت إلى مدينة تستقبل الغارات لا البيانات، وتتحول المستشفيات إلى نقاط استنفار أمني، ويصبح الموقف الدولي مجرد إدانة لفظية، فإن لبنان يكون قد دخل مرحلة أخطر من مجرد التوتر الحدودي، وهي مرحلة حرب يجري توسيعها على مرأى العالم كله.

