تضع شهادات جنود أميركيين نجوا من هجوم استهدف موقعًا عسكريًا تابعًا لبلادهم في الكويت المؤسسة العسكرية الأميركية أمام سؤال مباشر يتعلق بما تحميه فعليًا موازنة الدفاع الضخمة.
الولايات المتحدة أقرت في فبراير 2026 تمويلًا دفاعيًا يبلغ 838.5 مليار دولار للسنة المالية 2026، مع زيادات مخصصة للاستعداد القتالي والدفاع الجوي وقدرات مواجهة الطائرات المسيرة، لكن ما رواه الجنود من داخل موقع الشعيبة يطرح صورة مختلفة عن موقع مكشوف ووسائل حماية محدودة واستجابة أولية مرتبكة بعد ضربة مباشرة أوقعت 6 قتلى وأكثر من 20 مصابًا.
أعاد هذا التناقض فتح ملف إدارة انتشار القوات الأميركية في الخليج، لأن القضية لم تعد تتعلق بهجوم معادٍ فقط، بل بقرارات داخلية سبقت الهجوم ثم برواية رسمية لاحقة حاولت وصف الموقع بأنه محصن وأن طائرة مسيرة واحدة تسللت إلى داخله.
الجنود الناجون نسفوا هذا الوصف، وقالوا إن الموقع لم يكن محصنًا أصلًا، وإن تصوير الضربة باعتبارها اختراقًا استثنائيًا يخفي خللًا سابقًا في التمركز والحماية والاستعداد.
رواية البنتاغون في مواجهة رواية الناجين
ثم بدأت الفجوة تظهر بوضوح بعد تصريحات وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الذي قال إن طائرة مسيرة صغيرة اخترقت دفاعات موقع محصن وأصابت مركز عمليات ميداني.
شبكة سي بي إس نقلت عن جنود مصابين أن هذا الوصف غير صحيح، وأن الموقع لم يكن في الأصل موقعًا محصنًا، وأن الوحدة لم تكن مهيأة لتدافع عن نفسها من هجوم جوي من هذا النوع.
وبعد ذلك دعمت صور ما بعد الهجوم والروايات الميدانية هذا التناقض، لأن الجنود وصفوا مكان العمل بأنه مساحة من الخشب والصفيح بعرض يقارب 3 مقطورات، تحيط بها حواجز إسمنتية عمودية مخصصة لتخفيف أثر القذائف الأرضية لا لصد هجوم من الأعلى.
وكالة أسوشيتد برس أضافت أن الموقع كان في قلب ميناء مدني قرب مرافق نفطية ومحطة كهرباء وعلى مسافة تتجاوز 10 أميال من قاعدة عريفجان الرئيسية.
وفي هذا السياق قدمت ستايسي بيتيجون، مديرة برنامج الدفاع في مركز الأمن الأميركي الجديد، توصيفًا أوسع للمشكلة عندما قالت إن الولايات المتحدة تفتقر إلى الدفاعات والعقيدة والسرعة اللازمة لمواجهة تهديد الطائرات المسيرة، وحذرت من أن الهجمات المقبلة ستستمر وأن الوقت ينفد قبل بناء استجابة فعالة. هذا التقدير يجعل ما جرى في الكويت جزءًا من ثغرة بنيوية لا حادثًا منفصلًا.
قرار النقل إلى الشعيبة وضع الجنود داخل منطقة تهديد معلنة
ثم انتقلت الشهادات إلى النقطة الأكثر حساسية، وهي قرار نقل عدد من الجنود إلى ميناء الشعيبة قبل الهجوم بأيام. سي بي إس ذكرت أن معظم الجنود والطواقم الأميركية في الكويت نُقلوا قبل انطلاق العمليات إلى مواقع في الأردن والسعودية أبعد عن مدى الصواريخ الإيرانية، لكن عشرات من أفراد قيادة الإسناد 103 تلقوا أوامر مختلفة تقضي بالانتقال إلى موقع أصغر على الساحل الجنوبي للكويت.
وبسبب هذا القرار أصبح السؤال متعلقًا بالسبب لا بالصدفة.
أحد الجنود قال للشبكة إن القيادة شرحت الإجراء بعبارة تعني الابتعاد عن الخطر، لكن الوحدة وجدت نفسها في موقع أقرب إلى إيران وأكثر تعرضًا للتهديد. الجندي نفسه قال إن أفرادًا في الموقع رأوا معلومات استخبارية تشير إلى أن الشعيبة مدرج ضمن قائمة أهداف إيرانية محتملة، وإن أحدًا لم يقدم مبررًا مقنعًا لهذا النقل.
كما دعمت وكالة أسوشيتد برس هذا المسار عندما نقلت عن جوي أمور، زوج إحدى الجنديات القتيلات، أن القوات نُقلت من القاعدة الرئيسية إلى مبنى يشبه حاوية شحن قبل الضربة بنحو أسبوع، وأن التوزيع جرى على مجموعات أصغر لأن القيادة كانت تخشى تعرض القاعدة الأصلية لهجوم.
هذا يعني أن قرار التفريق لم ينتج حماية متساوية، بل نقل بعض الجنود إلى نقطة أضعف.
وفي هذا الإطار يوضح جون بي ألترمان، رئيس كرسي الأمن العالمي والاستراتيجية الجيوسياسية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن الخليج يمثل نقطة رخوة في أي مواجهة واسعة لأنه يجمع بين الأهمية العسكرية والحساسية السياسية والاقتراب الجغرافي من إيران.
هذا التقدير ينسجم مع ما أظهرته الحرب الأخيرة من استهداف متكرر للمنشآت والقواعد والممرات الحيوية في دول الخليج.
لحظة الضربة كشفت فجوة الحماية والاستجابة
ثم جاءت لحظة الهجوم لتفضح ما كان غامضًا قبلها.
الجنود قالوا إن إنذارات سابقة دفعتهم إلى الاحتماء في ملجأ إسمنتي بسبب مرور صاروخ باليستي، ثم صدر إعلان بالأمان عند نحو 9:15 صباحًا فعاد الضباط والجنود إلى مكاتبهم.
بعد نحو 30 دقيقة فقط اهتز المكان بضربة مباشرة من طائرة مسيرة من طراز شاهد، وسقط قتلى ومصابون داخل مساحة ضيقة تفتقر إلى الغطاء العلوي.
وبعد الضربة لم تظهر صورة استجابة عسكرية منضبطة كما تروج المؤسسة العسكرية الأميركية عادة.
أحد الجنود وصف المشهد بكلمة واحدة هي الفوضى، وقال إن المصابين لم يصطفوا في مسار إسعاف واضح، بل انقسموا بحسب الجهة التي حاصرها الحريق.
الشهود قالوا إن الجنود عالجوا أنفسهم بضمادات وربطات ضاغطة بدائية، ثم استخدموا سيارات مدنية لنقل الجرحى إلى مستشفيين كويتيين في الفحيحيل.
كما فتحت هذه التفاصيل بابًا أكثر إحراجًا يتعلق بجدوى المليارات التي تنفقها واشنطن على منظومات الاعتراض المكلفة في مواجهة طائرات مسيرة زهيدة الثمن نسبيًا.
رويترز نقلت في 8 أبريل 2026 أن دول الخليج بدأت تبحث عن طائرات اعتراضية منخفضة الكلفة لأن الصواريخ الأميركية الباهظة تستنزف المخزون سريعًا، وأن صاروخ باتريوت الاعتراضي قد يكلف نحو 4 ملايين دولار مقابل طائرة شاهد قد تبلغ كلفتها 20 ألف دولار فقط.
وفي هذا المعنى تضيف مولي كامبل، الباحثة المشاركة في تقرير "مواجهة السرب" مع ستايسي بيتيجون، أن الاعتماد على منظومات محدودة العدد ومرتفعة الكلفة أمام هجمات كثيفة بطائرات مسيرة رخيصة يخلق هشاشة تشغيلية واضحة.
تقرير المركز نفسه قال إن الدفاعات الحالية قد تدير عددًا محدودًا من الهجمات، لكنها قد تُستنزف سريعًا إذا واجهت غارات معقدة وكثيفة تجمع بين الطائرات الرخيصة والذخائر الأدق.
ثم أكدت شهادات الجنود أن الخلل لا يقتصر على تجهيزات الموقع وحدها، بل يمتد إلى طريقة سرد ما جرى بعده. أحد الناجين قال صراحة إن الحقيقة مهمة، وإن الجيش لن يتعلم من الأخطاء إذا تظاهر بأنها لم تحدث.
هذا الكلام يضع المؤسسة العسكرية أمام معادلة لا تحتمل التجميل، لأن الاعتراف بالتقصير يفتح باب المساءلة، بينما إنكار التقصير يهيئ لتكرار الكارثة في موقع آخر.
هكذا تنتهي القضية إلى خلاصة صلبة لا تحتاج إلى لغة مموهة.
الولايات المتحدة تملك أكبر موازنة دفاع في العالم، لكنها وضعت جنودًا في موقع ضعيف التحصين داخل ميناء مدني، ثم قدمت رواية رسمية خففت من حجم الخلل، قبل أن يكشف الناجون تفاصيل تنسف هذا التخفيف.
ما جرى في الشعيبة لا يطعن فقط في سلامة الانتشار الأميركي في الخليج، بل يطعن في صدقية المؤسسة حين تحاول إخفاء الفشل خلف لغة العلاقات العامة.

