تتجه الأنظار، السبت 11 أبريل 2026، إلى إسلام أباد، لكن المشهد لا يوحي بمسار تفاوضي هادئ بقدر ما يكشف عن أزمة مفتوحة دخلت قاعة التفاوض محمولة على شروط إيرانية معلنة وتهديدات أمريكية مباشرة. طهران لم تصل إلى العاصمة الباكستانية بوصفها طرفًا يطلب خفض التصعيد فقط، بل بصفتها طرفًا يحاول تثبيت وقائع سياسية وأمنية ومالية قبل بدء أي جلسة. وفي المقابل، لم تتعامل واشنطن مع اللقاء باعتباره فرصة دبلوماسية خالصة، لأن دونالد ترامب أعلن، الجمعة 10 أبريل 2026، أنه يستعد لهجمات جديدة على إيران إذا فشلت المحادثات. هذا التناقض بين شروط تسبق التفاوض ووعيد يلاحق التفاوض يضع اللقاء منذ ساعاته الأولى تحت ضغط مزدوج، ويجعل السؤال الأول متعلقًا بإمكان انطلاقه أصلًا، لا بما يمكن أن ينتهي إليه.

 

المشهد ازداد تعقيدًا لأن الطرفين وصلا إلى باكستان بعد حرب استمرت 6 أسابيع، وبعد هدنة هشة لم تحسم الملفات التي فجرت الصراع من الأصل. رويترز أكدت، السبت، وصول الوفدين إلى إسلام أباد، بينما تحدثت أكسيوس عن شكوك أمريكية مبكرة في إمكان تحقيق تقدم ملموس في الجولة الأولى، مع تقديرات بأن بلورة اتفاق قد تستغرق أسابيع أو أشهر. وفي الوقت نفسه، نقلت وكالة فارس أن بدء المحادثات نفسه مشروط بقبول الطرف المقابل بالشروط الإيرانية المسبقة. هنا تبدو المفاوضات أقرب إلى اختبار متبادل لإرادة الخصم منه إلى بداية تفاهم مستقر، خصوصًا أن كل طرف يحاول الدخول من موقع يفرض فيه كلفة على الآخر قبل توقيع أي تفاهم.

 

طهران تدخل القاعة بشروط معلنة ووفد ثقيل

 

الوفد الإيراني الذي وصل إلى إسلام أباد لا يعكس نية تفاوض فني محدود، بل يعكس قرارًا سياسيًا بتوسيع الملفات المطروحة على الطاولة. الوفد يقوده رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ويضم وزير الخارجية عباس عراقجي، وأمين مجلس الدفاع علي أكبر أحمديان، ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، إضافة إلى أعضاء من مجلس الشورى ولجان أمنية وسياسية وعسكرية واقتصادية وقانونية. هذا التشكيل يعني أن طهران لا تتعامل مع اللقاء كجولة بروتوكولية، بل كمنصة تفاوض تشمل الأمن والمال والسياسة في وقت واحد.

 

وفي المقابل، وصل الوفد الأمريكي برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس، وبرفقته ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في إشارة إلى أن واشنطن أرادت رفع مستوى التمثيل من دون تقديم تنازل سياسي مسبق. غير أن هذا التمثيل المرتفع لم يخفف الشكوك داخل الإدارة الأمريكية نفسها، لأن مسؤولين كبارًا قالوا لأكسيوس إن تحقيق تقدم ملموس في الجولة الأولى ليس مضمونًا، وإن أي تمديد محتمل للهدنة لمدة أسبوعين لن يحدث ما لم يعد فانس بإنجاز واضح.

 

ثم إن وكالة فارس ربطت بدء المحادثات بقبول الشروط الإيرانية المسبقة، وقالت إن طهران تبادلت قبل إعلان وقف إطلاق النار المؤقت عدة رسائل مكتوبة مع الجانب الأمريكي عبر الوسيط الباكستاني. هذا التفصيل يكشف أن باكستان لم تتحول فقط إلى دولة مضيفة، بل إلى قناة نقل رسائل وضمانات واختبار نيات بين خصمين لا يثقان ببعضهما. كما يكشف أن ما يجري في إسلام أباد ليس بداية اتصال، بل امتداد لمسار غير معلن سبق الجلسة العلنية.

 

ويأتي هنا تقييم الدكتورة سناء وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، ليشرح سبب ثقل هذه البداية. وكيل قالت إن أصعب القضايا ستحتاج إلى معالجة تفصيلية في إسلام أباد، وسألت بوضوح عما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تقديم ضمانات موثوقة ضد تجدد الضربات، وعما إذا كانت إيران مستعدة للقبول بقيود على تهديد الملاحة في مضيق هرمز. هذا التقدير يطابق شكل الوفد الإيراني، لأنه يوضح أن طهران حضرت لتنتزع ضمانات لا لتسمع وعودًا عامة.

 

واشنطن تفاوض تحت تهديد الحرب وتراهن على نتيجة سريعة

 

الموقف الأمريكي المعلن قبل ساعات من اللقاء لم يفتح باب التهدئة، بل وسع مساحة الضغط. ترامب قال، الجمعة، إنه يستعد لشن هجمات جديدة على إيران إذا فشلت المفاوضات، بينما أكد جي دي فانس أنه يتطلع إلى محادثات بناءة. هذا الجمع بين لغة التهديد ولغة الترحيب لا يعكس انسجامًا بقدر ما يكشف أن البيت الأبيض يريد تفاوضًا سريعًا ومثمرًا من دون أن يتخلى عن خيار القوة، وأنه يخشى في الوقت نفسه أن يتحول اللقاء إلى صورة بلا نتيجة.

 

كما أن أكسيوس نقلت عن مسؤولين أمريكيين كبار قولهم إن الجولة الأولى قد لا تحقق اختراقًا، وإن الاتفاق قد يحتاج إلى أسابيع أو أشهر، لكن المسؤول نفسه شدد على أن تمديد وقف إطلاق النار مدة أسبوعين لن يتم من دون إنجاز ملموس يعود به فانس. هذه الصيغة تكشف أن واشنطن تريد نتيجة قابلة للتسويق السياسي بسرعة، لا مجرد استمرار الحديث. ولذلك دخل الوفد الأمريكي إلى إسلام أباد وهو محكوم بسقف زمني وسياسي ضيق فرضه ترامب بنفسه.

 

ويضيف هذا المسار سببًا آخر للشك، لأن رويترز كشفت أن البيت الأبيض تراجع عن خطاب متلفز كان ترامب يدرسه بشأن وقف إطلاق النار مع إيران بسبب هشاشة الاتفاق وغموض بنوده قبل محادثات إسلام أباد. هذا التراجع لا يبدو تفصيلًا إعلاميًا، بل دليلًا على أن الإدارة الأمريكية تعرف أن الهدنة الحالية لم تغلق ملف هرمز، ولم توقف كل الجبهات، ولم تنتج حتى الآن صيغة مستقرة يمكن الدفاع عنها داخليًا.

 

وفي هذا السياق يكتسب رأي الدكتورة ماريون ميسمر، مديرة برنامج الأمن الدولي في تشاتام هاوس، أهمية خاصة. ميسمر قالت إن العملية الأمريكية لم تحقق عرض القوة الذي أرادته إدارة ترامب، وإن إسرائيل حين أصرت على أن عملياتها في لبنان ليست جزءًا من الاتفاق كشفت حدود قدرة واشنطن على ضبط حلفائها. هذا التقييم يفسر لماذا تدخل الولايات المتحدة المفاوضات وهي ترفع الصوت العسكري، لكنها تفتقد في الوقت نفسه أوراقًا كافية لفرض مسار تفاوضي مريح.

 

الأموال المجمدة ولبنان وهرمز.. العقد التي تسبق أي اتفاق

 

المعضلة الأساسية في إسلام أباد أن طهران لم تحصر مطالبها في ملف واحد. وكالة فارس قالت إن الشروط المسبقة تشمل الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ووقف إطلاق النار في لبنان، بينما أضافت رويترز، نقلًا عن مصدر إيراني رفيع، أن الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة في قطر وبنوك أجنبية أخرى، لكن المصدر نفسه ربط تنفيذ ذلك بضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز قبل أي اتفاق سلام دائم. بهذا المعنى، صار المال والممر البحري والجبهة اللبنانية عناصر مترابطة في حزمة تفاوض واحدة.

 

ثم إن وكالة تسنيم زادت الصورة وضوحًا حين نفت أن تكون هناك معلومات مؤكدة عن استمرار المفاوضات عدة أيام كما ذكرت سي إن إن، وقالت إن الترتيبات الحالية تشير إلى أنه إذا انطلقت المحادثات فمن المرجح أن تستمر يومًا واحدًا فقط، وربما تبدأ من عصر السبت. هذا التحديد الزمني الضيق يعني أن طهران تريد أولًا اختبار استجابة واشنطن لشروط البداية قبل الانتقال إلى مسار أطول، وأنها لا ترى جدوى من تمديد اجتماعات لا تحمل تغييرًا واضحًا في الموقف الأمريكي.

 

ويكتسب مضيق هرمز هنا وزنًا يتجاوز كونه بندًا تفاوضيًا، لأن رويترز أكدت أن المضيق ما زال دون مستواه الطبيعي بكثير بعد الهدنة، وأن إيران واصلت فرض قيود على المرور. كما أوضح أماربريت سينغ، محلل الطاقة في باركليز، أن تأخر عودة التدفقات عبر هرمز يخلق مخاطر صعودية على أسعار النفط، لأن السوق ما زالت تتعامل مع نقص فعلي في الإمدادات. لذلك لم يعد المرور الآمن في هرمز تفصيلًا فنيًا، بل شرطًا اقتصاديًا دوليًا يضغط على طاولة إسلام أباد من خارجها.

 

وعلى هذا الأساس، تبدو المفاوضات في إسلام أباد محكومة بمعادلة قاسية منذ لحظتها الأولى. إيران تريد أموالها المجمدة ووقف النار في لبنان وضمان الاعتراف بشروطها الأمنية في هرمز قبل الانتقال إلى اتفاق أوسع. والولايات المتحدة تريد نتيجة سريعة تعيد فتح المضيق وتمنح ترامب مخرجًا سياسيًا من حرب كلفت الاقتصاد العالمي اضطرابًا كبيرًا. وبين الشرط الإيراني والوعيد الأمريكي، لا تبدو الجلسة المنتظرة مسارًا لتسوية جاهزة، بل مواجهة تفاوضية مباشرة بين طرفين يحمل كل منهما إلى الطاولة ما يكفي لإفشالها وما يكفي أيضًا لفرض تأجيل الانفجار لبعض الوقت.