تكشف المفاوضات الجارية بين حكومة مصطفى مدبولي وهيئة موانئ أبوظبي لاستئجار مستودعات لتخزين النفط والمنتجات البترولية على ساحل البحر الأحمر، عن صورة سياسية واقتصادية أشد قسوة من مجرد صفقة لوجستية جديدة. فالدولة التي تملك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وتجلس بين قناة السويس والبحر الأحمر والمتوسط، لا تتصرف اليوم كقوة إقليمية تفرض شروطها، بل كسلطة تبحث عن سيولة سريعة وتعرض أصولها الحيوية على المستثمر الأجنبي في لحظة اضطراب إقليمي حاد. وتأتي هذه الخطوة بينما تؤكد تقارير حديثة أن مصر تملك 19 ميناءً تجاريًا، وأن 14 ميناءً منها تم وجارٍ تطويرها، بالتوازي مع توسع واضح في قدرات التخزين البترولي، وهو ما كان يمكن أن يتحول إلى ورقة سيادية صلبة لو وُجدت حكومة تعمل بمنطق المصلحة العامة لا بمنطق البيع تحت الضغط.
تكشف هذه الواقعة كذلك أن الأزمة لا تتعلق فقط بعرض مقدم من جهة إماراتية، بل بنمط حكم كامل يربط أبواب التمويل والاستثمار والبيع الخارجي بمركز واحد يتكرر حضوره في ملفات الموانئ والعقارات والطاقة والأصول العامة. فصندوق النقد الدولي ربط بوضوح بين برنامجه الموسع لمصر وتقليص دور الدولة والتقدم في التخارج وبيع الأصول، بينما أقرت الحكومة نفسها بتسريع هذا المسار خلال 2025 و2026. وفي لحظة تعطلت فيها الملاحة في مضيق هرمز ثم بدأت تعود بصورة غير مكتملة، ظهرت قيمة البحر الأحمر كممر بديل للطاقة، لكن الحكومة لم تتعامل مع هذه القيمة باعتبارها فرصة لتعظيم السيادة المصرية، بل باعتبارها نافذة جديدة لتأجير الأصل لمن يدفع ويملك النفوذ.
البحر الأحمر بين الفرصة المصرية والقرار المؤجر
وبينما دفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى اضطراب غير مسبوق في سوق الطاقة، أكدت رويترز أن إغلاق مضيق هرمز بعد 28 فبراير 2026 هز تدفقات النفط والغاز، وأن الأسواق ظلت تعاني اضطرابًا واسعًا حتى بعد محاولات استئناف العبور. كما اتجهت السعودية إلى تعظيم استخدام مسار البحر الأحمر وخطوطها البديلة، وهو ما رفع القيمة العملية لكل منشأة تخزين وشحن على هذا الساحل.
ثم ظهرت مصر داخل هذه المعادلة من باب المؤجر لا من باب الفاعل المستقل، إذ أفادت تقارير منشورة في 14 أبريل 2026 بأن القاهرة تدرس عرضًا من موانئ أبوظبي لاستئجار مستودعات نفطية على البحر الأحمر، مع التفاوض على العدد والمواقع ومدة الإيجار قبل نهاية الربع الثاني من العام. كما أشارت هذه التقارير إلى وجود طاقة تخزينية فائضة تقترب من 29 مليون برميل في الموانئ الرئيسية.
وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب إن التصرف في أصول الدولة مقابل عوائد لمرة واحدة يمثل إهدارًا لحقوق الأجيال المقبلة، كما ربط استمرار الطروحات والبيع بالتعهدات الدولية مع صندوق النقد الدولي. وتكتسب هذه الشهادة أهمية مباشرة هنا، لأن ملف المستودعات لا ينفصل عن مناخ أوسع يعامل الأصل العام باعتباره بابًا سريعًا للتمويل لا أداة سيادية دائمة.
النفوذ الإماراتي يتمدد من الشراء إلى التحكم في المسار
وبعد ذلك يصبح السؤال عن سبب ذهاب الاستثمارات إلى الإمارات سؤالًا سياسيًا واقتصاديًا مشروعًا، لا مجرد اعتراض عاطفي على مستثمر بعينه. فالمسألة لم تعد واقعة منفصلة، لأن التقارير الحكومية والاقتصادية تشير إلى توسيع الشراكات مع الفجيرة في تخزين النفط وتطوير ميناء الحمراء، بالتوازي مع صفقات إماراتية كبرى سبقتها في أصول ومشروعات أخرى، بما يرسخ نمط التركيز في يد طرف واحد.
ثم تتضح المشكلة أكثر حين نقرأ ما قاله الباحث في الاقتصاد السياسي وائل جمال عن غياب الشفافية وعدم وضوح آليات تنفيذ البرامج الحكومية، وعن الشك في كون هذه البرامج وطنية أصلًا. وتنسحب هذه الملاحظة مباشرة على ملف الموانئ والمستودعات، لأن الرأي العام لا يعرف حتى الآن عدد المستودعات المعروضة ولا مواقعها النهائية ولا شروط الإيجار ولا حدود الرقابة البرلمانية عليها.
ولذلك لا تبدو الصفقة المحتملة مجرد استثمار أجنبي عادي، لأن تركيز المشروعات والامتيازات في يد لاعب واحد يفتح بابًا واسعًا للتأثير في التسعير والتشغيل والربط اللوجستي وقرارات التوسع اللاحقة. كما أن هذا المسار يضعف قدرة الدولة على فرض منافسة حقيقية بين عروض متعددة، ويحول الجغرافيا المصرية من مصدر قوة سيادية إلى منصة ريع لصالح شريك خارجي صاحب حضور متضخم.
بيع الأصل أم توسيع الملكية العامة
ومع ذلك فإن البديل لم يكن مستحيلًا، لأن الأرقام الرسمية نفسها تكشف أن مصر تمتلك قاعدة مادية تسمح بسياسة مختلفة. فوزارة النقل قالت في نوفمبر 2025 إن البلاد تضم 19 ميناءً تجاريًا، منها 14 ميناء تم وجارٍ تطويرها على البحرين الأحمر والمتوسط. كما تحدثت تقارير أبريل 2026 عن نحو 79 مستودعًا بتروليًا تم إنشاؤها أو تطويرها خلال السنوات الماضية.
ثم جاءت الدكتورة عالية المهدي لتطرح مسارًا مغايرًا وأكثر حماية للأصول، إذ قالت إن طرح الشركات في البورصة يوسع قاعدة الملكية أمام المواطنين والمستثمرين الصغار، ويجنب الدولة وضع أصولها الاستراتيجية بالكامل تحت سيطرة مستثمرين أجانب. وأضافت أن البيع المباشر يحتاج إلى بنود صارمة تضمن استمرار النشاط والتطوير والتشغيل، لا مجرد تحصيل دولار سريع.
وأخيرًا تكشف صفقة المستودعات المحتملة أن الحكومة لا تعاني نقصًا في المواقع ولا نقصًا في الموانئ ولا نقصًا في القيمة الجغرافية، بل تعاني غياب الإرادة السياسية التي تضع الأصل العام في خدمة المجتمع. ولهذا فإن أخطر ما في الملف ليس دخول مستثمر إماراتي جديد، بل اعتياد السلطة على تحويل كل أزمة إقليمية إلى مناسبة جديدة لتأجير مصر وبيع نفوذها، بدل تحويل موقعها إلى قوة تفاوض وسيادة وعائد عام يحمي الناس من الديون والارتهان.

