الأرقام التي ظهرت عن شهري يناير وفبراير لا تشير إلى عثرة عابرة في حقل غاز أو تأخير محدود في شحنة، بل تكشف تراجعًا مباشرًا في الإنتاج المحلي إلى 6.5 مليار متر مكعب خلال أول شهرين من العام مقابل 7 مليارات متر مكعب في الفترة نفسها من 2025. وفي المقابل ارتفع الاستهلاك إلى 10.3 مليار متر مكعب، بما يعني أن الإنتاج المحلي غطى 63% فقط من الاحتياجات، بينما اضطرت الدولة إلى سد الفجوة بزيادة الواردات 47% لتصل إلى 4.178 مليار متر مكعب بعد أن كانت 2.85 مليار متر مكعب قبل عام واحد فقط. هذا الفارق لا يعكس تغيرًا موسميًا فقط، بل يعكس اختلالًا واضحًا بين ما تنتجه الدولة وما يحتاجه السوق، واختلالًا أعمق في إدارة قطاع ظل لسنوات يُقدَّم باعتباره عنوانًا للاكتفاء والاستقرار.

 

المشكلة هنا أن الحكومة لا تواجه نقصًا فنيًا محدودًا ثم تعالجه بهدوء، بل تواجه تراجعًا مستمرًا يضغط على الكهرباء والصناعة والعملة الأجنبية في وقت واحد. وعندما ترتفع الواردات بهذه النسبة خلال شهرين فقط، فإن العبء لا يبقى داخل جداول وزارة البترول، بل ينتقل مباشرة إلى الموازنة العامة وسوق الصرف وكلفة التشغيل على المصانع. ويزداد هذا الضغط لأن مشهد الطاقة نفسه يتغير في لحظة إقليمية حساسة رفعت كلفة الإمدادات وضاعفت الحاجة إلى النقد الأجنبي، بينما تؤكد بيانات رويترز أن إنتاج الغاز في مصر كان يواصل الهبوط رغم تعهدات حكومية برفعه، وأن تدفقات الغاز إلى مصر من إسرائيل كانت قد ارتفعت بالفعل مع تشغيل خط الأنابيب بكامل طاقته. بذلك تبدو السلطة وقد انتقلت من رواية الفائض إلى واقع الاعتماد المتزايد على الخارج لتغطية الاحتياج الداخلي.

 

فجوة تتسع بين الإنتاج والاستهلاك

 

لكن قراءة الأرقام الإجمالية تكشف أن الفجوة لم تعد مسألة موسمية مرتبطة بذروة حرارة أو استهلاك عابر. فحين يبلغ الاستهلاك خلال أول شهرين 10.3 مليار متر مكعب مقابل إنتاج محلي عند 6.5 مليار متر مكعب، فإن الدولة تكون قد فقدت جزءًا معتبرًا من قدرتها على تلبية السوق من مواردها الذاتية، واضطرت إلى تعويض العجز عبر الاستيراد بوتيرة أعلى وبكلفة أكبر.

 

كما أن المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، ربط في تصريحات سابقة بين تراجع الإنتاج وتعطل تنمية الحقول بسبب مستحقات الشركاء الأجانب، وقال إن الشريك الأجنبي توقف عن تنمية حقول الغاز في مصر خلال العامين الماضيين. ثم عاد في أبريل 2026 ليؤكد أن حقل ظهر ما زال يمثل نحو 25% من إجمالي إنتاج الغاز، لكن الحقول تشهد تناقصًا تدريجيًا طبيعيًا يحتاج إلى تنمية مستمرة وآبار جديدة. هذا الربط مهم لأنه يضع المسؤولية على إدارة الدولة للملف التمويلي والاستثماري لا على الطبيعة وحدها.

 

ثم إن الحكومة نفسها أقرت بحجم أزمة المتأخرات عندما أعلن مصطفى مدبولي في يناير 2026 سداد نحو 5 مليارات دولار من مستحقات الشركاء الأجانب مع استهداف خفضها إلى 1.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2026. كما أكدت الحكومة في أبريل أن هذه المتأخرات هبطت من 6.1 مليار دولار في يوليو 2024 إلى 1.3 مليار دولار في مارس 2026. غير أن بيانات يناير وفبراير الحالية تقول بوضوح إن سداد جانب من المتأخرات لم ينعكس بعد في صورة تعافٍ سريع للإنتاج، وإن أثر التأخير السابق ما زال قائمًا في السوق المحلي.

 

فبراير يؤكد هبوط الإنتاج وتراجع الصادرات

 

وفي فبراير ظهرت الأزمة بصورة أكثر تحديدًا لأن الإنتاج اليومي انخفض إلى 109.4 مليون متر مكعب مقابل 111.2 مليون متر مكعب في يناير، أي بتراجع 1.6%. وفي الشهر نفسه هبط الاستهلاك إلى 4.95 مليار متر مكعب من 5.3 مليار متر مكعب في يناير، لكن هذا الانخفاض في الطلب لم يمنع استمرار العجز، ما يعني أن المشكلة بنيوية في جانب العرض أكثر منها طارئة في جانب الاستهلاك.

 

كما أن صورة الواردات في فبراير تكشف طبيعة الاعتماد الخارجي بدقة. فقد تراجعت الواردات الإجمالية 6% إلى 2.03 مليار متر مكعب مقابل 2.15 مليار متر مكعب في يناير، لكن هذا لم يكن نتيجة وفرة محلية، بل جاء مع استمرار استيراد 736 مليون متر مكعب عبر الأنابيب و1.292 مليار متر مكعب من الغاز المسال. هذا التكوين يوضح أن الدولة ما زالت تعتمد على مسارين معًا لتأمين الإمدادات، وأن أي اضطراب في أحدهما ينعكس سريعًا على السوق الداخلي.

 

وفي هذا السياق قال المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، إن انخفاض إنتاجية الآبار أمر متعارف عليه عالميًا، إذ تتراجع بمعدلات بين 10% و15% سنويًا وقد تصل إلى 50% أو 60% بعد 7 إلى 8 سنوات من التشغيل، موضحًا أن التعويض يتطلب تقنيات رفع الضغط وحفر آبار جديدة. هذه الشهادة لا تبرئ الحكومة، بل تدينها أكثر، لأن السلطات تعرف طبيعة تناقص الحقول سلفًا، ومع ذلك تركت السوق يصل إلى هذه الدرجة من الاعتماد على الواردات قبل أن تستعيد وتيرة التنمية اللازمة.

 

ثم جاءت الصادرات لتفضح تغير الأولويات المفروض على الدولة بحكم النقص المحلي. فقد تراجعت صادرات الغاز الطبيعي 45% في فبراير إلى 134 مليون متر مكعب مقابل 243 مليون متر مكعب في يناير. صحيح أن صادرات أول شهرين من 2026 بلغت 378 مليون متر مكعب مقابل 59 مليون متر مكعب في الفترة نفسها من 2025، لكن هذا التحسن السنوي لا ينفي أن المسار الشهري في فبراير اتجه إلى الهبوط الحاد مع اتساع الحاجة المحلية، وهو ما يحد من أي حديث رسمي عن استقرار الوضع.

 

فاتورة الاستيراد تضغط والسلطة تنقل الكلفة إلى الداخل

 

ولذلك لا يمكن فصل ملف الغاز عن سوق الصرف والمالية العامة. فمع عودة الدولار إلى مستوى 52 جنيهًا في عدد من البنوك خلال أبريل، تصبح كل زيادة في الاعتماد على الغاز المستورد عبئًا مضاعفًا على الموازنة وسعر الكهرباء وكلفة الإنتاج الصناعي. وعندما تستورد الدولة الغاز المسال والغاز عبر الأنابيب معًا، فإنها تربط أمن الطاقة المحلي بسعر الدولار وبأسواق خارجية متقلبة في وقت واحد، وهو وضع يكشف هشاشة واضحة في الإدارة الاقتصادية.

 

كما أن الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، قال في أبريل 2026 إن تسعير الطاقة محليًا لا يمكن فصله عن الإطار الأوسع لسياسة الدولة في إدارة الدعم منذ 2016. وهذا يعني أن تراجع الإنتاج المحلي لن يُترجم تلقائيًا إلى حماية للمستهلك أو للصناعة، بل إلى مبرر إضافي لتحميل الداخل كلفة العجز الخارجي. لذلك لا تبدو الأزمة مجرد نقص في الغاز، بل تبدو حلقة جديدة في سياسة تنقل الكلفة من الإدارة إلى المواطنين والقطاعات الإنتاجية.

 

وفي الخلفية تحاول الحكومة تقديم اكتشافات جديدة وخطط تعاون إقليمي باعتبارها مخرجًا قريبًا من الأزمة. فقد أفادت رويترز في أبريل 2026 بأن إيني اكتشفت نحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز قبالة السواحل المصرية، كما وقعت مصر وقبرص في مارس اتفاقًا إطاريا للتعاون في الغاز. لكن هذه التطورات، رغم أهميتها، لا تغير حقيقة أن السوق في يناير وفبراير كان يعيش على الواردات أكثر مما يعيش على الإنتاج المحلي، وأن الاكتشافات الجديدة تحتاج وقتًا قبل أن تتحول إلى إمدادات فعلية داخل الشبكة.

 

وفي المحصلة تكشف بيانات يناير وفبراير 2026 أن الحكومة خسرت المعركة الأساسية في هذا الملف، وهي معركة تأمين الطلب المحلي من إنتاج محلي مستقر. فالإنتاج تراجع إلى 6.5 مليار متر مكعب، والاستهلاك ارتفع إلى 10.3 مليار متر مكعب، والواردات قفزت 47%، والصادرات الشهرية هبطت 45% في فبراير، والدولار عاد فوق 52 جنيهًا في بعض البنوك. هذه ليست أرقام قطاع فني يمر بمراجعة، بل أرقام دولة دفعت ثمن التأخير في سداد المستحقات، وضعف التخطيط، والعجز عن حماية سوقها من الاعتماد المتزايد على الخارج. وكل يوم يمر من دون تعافٍ واضح في الإنتاج يضيف عبئًا جديدًا على الموازنة، ويقرب فاتورة الإخفاق أكثر من جيب المواطن والمصنع معًا.