دخلت الأزمة الأمريكية الإيرانية مرحلة شديدة الحساسية بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار إلى حين تقديم إيران مقترحها الموحد وانتهاء المناقشات، مع الإبقاء في الوقت نفسه على الحصار البحري وحالة الجاهزية العسكرية. في المقابل، ردت طهران بخطاب تصعيدي، إذ أكد المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء أن القوات الإيرانية “في حالة جاهزية كاملة” وأن “اليد على الزناد”، بينما اعتبر مستشار رئيس البرلمان الإيراني مهدي محمدي أن تمديد الهدنة لا يساوي شيئاً ما دام الحصار قائماً. هذا التزامن بين تمديد التهدئة ورفع مستوى التهديد يكشف أن ما يجري ليس سلاماً ناشئاً، بل هدنة ميدانية مؤقتة فوق أرضية سياسية وعسكرية قابلة للانفجار في أي لحظة.
أولاً: لماذا مدّد ترامب الهدنة؟
المعطيات المتاحة تشير إلى أن قرار ترامب لم يكن انعطافاً نحو تسوية مستقرة بقدر ما كان محاولة لشراء الوقت وإفساح مجال أمام وساطة تقودها باكستان، في ظل تعثر المحادثات السابقة وحاجة واشنطن إلى اختبار ما إذا كانت طهران قادرة فعلاً على تقديم موقف تفاوضي موحد. تقارير حديثة أفادت بأن ترامب ربط التمديد باستمرار النقاشات، مع إبقاء القوات الأمريكية في حالة استعداد، وهو ما يعني أن الخيار العسكري لم يُسحب من الطاولة بل جرى تأجيله فقط. كما أن الوساطة الباكستانية برزت بوضوح في خلفية القرار، سواء عبر طلب رئيس الوزراء شهباز شريف أو المشير عاصم منير منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية.
وفي هذا السياق، يرى جيمس م. ليندسي، الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن فشل جولة إسلام آباد السابقة ترك “قرارات صعبة” أمام العاصمتين، خصوصاً واشنطن، وأن مجرد انعقاد التفاوض كان إنجازاً بحد ذاته بعد سنوات طويلة من القطيعة المباشرة. هذا التقييم يوحي بأن التمديد الأمريكي يعكس إدراكاً بأن البديل الفوري عن التفاوض ليس اتفاقاً أفضل، بل جولة أخطر من التصعيد.
ثانياً: لماذا ترفض طهران الاطمئنان إلى التمديد؟
من الجانب الإيراني، يُفهم الخطاب المتشدد باعتباره رسالة مزدوجة: رفضٌ لتحويل الهدنة إلى غطاء لاستمرار الضغط العسكري والاقتصادي، وتثبيتٌ لمعادلة أن الحصار لا يختلف كثيراً عن القصف من حيث الأثر الاستراتيجي. التغطيات الجارية تشير إلى أن طهران تعتبر استمرار الحصار البحري واعتراض السفن خرقاً فعلياً لروح الهدنة، حتى إن واشنطن نفسها تبدو متمسكة بتفسير يسمح لها بمواصلة “الإنفاذ” البحري رغم التهدئة. لهذا تبدو عبارة “اليد على الزناد” أقرب إلى إعلان ردع منها إلى مجرد دعاية سياسية.
وتحذر الدكتورة صنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، من أن أصعب القضايا لم تبدأ معالجتها بعد، وفي مقدمتها ضمانات منع تجدد الضربات، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، وحدود البرنامج النووي الإيراني، وشكل تخفيف العقوبات. وتؤكد أن احتمال عودة التوترات يظل قائماً عبر التهديدات المتبادلة أو الضغط على المضيق أو الحاجة إلى تمديد المفاوضات مرة أخرى. رأي وكيل مهم لأنه يضع الأزمة في إطارها الصحيح: المشكلة ليست في إعلان الهدنة، بل في غياب اتفاق على شروط ما بعدها.
ثالثاً: الحصار البحري.. أداة ضغط أم وصفة لتوسيع النزاع؟
العامل الأخطر حالياً هو أن واشنطن تريد استخدام الحصار كورقة تفاوضية، بينما ترى فيه إيران عملاً عدائياً مستمراً. مجلس العلاقات الخارجية نشر تقييماً مفاده أن رهان إدارة ترامب على خنق إيران اقتصادياً عبر هرمز قد تكون له “مدة صلاحية قصيرة”، لأن كلفة تعطيل التجارة والطاقة العالمية قد ترتد سريعاً على الولايات المتحدة وحلفائها. وهذا يعني أن أداة الضغط نفسها قد تتحول إلى عنصر استنزاف سياسي واقتصادي إذا طال أمدها.
ومن زاوية القانون الدولي، يلفت البروفيسور مارك ويلر من تشاتام هاوس إلى أن التهديد بضرب البنية المدنية الإيرانية يضع مصداقية النظام القانوني الدولي تحت ضغط شديد، محذراً من أن تطبيع مثل هذا السلوك قد يدفع العالم إلى بيئة أكثر فوضى وخطورة. أهمية هذا الرأي أنه يوسّع النقاش من سؤال “من سيربح المواجهة؟” إلى سؤال “أي سابقة قانونية وسياسية يجري ترسيخها؟”.
رابعاً: التداعيات الإقليمية والدولية
إقليمياً، لا تبدو الهدنة الحالية كافية لإغلاق ساحات التوتر الموازية، خاصة مع استمرار الاشتباك حول لبنان وارتباط أمن الخليج مباشرة بحرية الملاحة والطاقة. هنا يبرز تقييم مروان المعشر، نائب رئيس مؤسسة كارنيغي ووزير الخارجية الأردني الأسبق، الذي اعتبر أن من توقعوا ألّا يُحترم أي تفاهم أمريكي إيراني بالكامل كانوا على صواب، مشيراً إلى أن استمرار العمليات الإسرائيلية بعد الهدنة يكشف هشاشة أي تفاهم لا يشمل الملفات الإقليمية المتداخلة. هذا الرأي يفسر لماذا تتعامل طهران مع التهدئة بحذر شديد: لأنها لا ترى الصراع محصوراً في قناة أمريكية إيرانية فقط.
أما كريم سجادبور، الباحث البارز في كارنيغي، فيلفت في مقابلات حديثة إلى أن إيران تدخل أي جولة تفاوض جديدة من منطلق أنها لا ترى نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات سريعة تحت الضغط، بل تسعى إلى التفاوض من موقع الصمود والقدرة على الاحتمال. وإذا صح هذا التقدير، فإن تمديد الهدنة قد يخفف الانفجار الآني، لكنه لا يضمن اختراقاً تفاوضياً قريباً.
الخلاصة أن تمديد وقف إطلاق النار لا يعني أن الأزمة تتجه تلقائياً إلى التسوية، بل يعني فقط أن واشنطن وطهران فضّلتا تأجيل المواجهة المباشرة مع الإبقاء على أدوات الضغط والتهديد. وبين خطاب ترامب الذي يجمع بين التمديد والجاهزية، وخطاب طهران الذي يجمع بين الحذر والوعيد، تبدو المنطقة أمام هدنة هشة أكثر من كونها بداية سلام. نجاح المرحلة المقبلة سيتوقف على ثلاث عقد: مستقبل الحصار البحري، شكل الضمانات الأمنية المتبادلة، وقدرة الوسطاء على تحويل وقف النار من مهلة تكتيكية إلى مسار سياسي فعلي.

