توفي المعتقل السيد محمود إبراهيم عبد العال، المعروف باسم السيد أبو شقرة، داخل مستشفى الأحرار بالزقازيق في 21 أبريل 2026، بعد تدهور صحي ارتبط بمرض مزمن في الكلى وسنوات احتجاز بدأت في 2022.

 

وتضع الوفاة الجديدة وزارة الداخلية أمام مسؤولية مباشرة، لأن الواقعة لا تأتي منفردة، بل تلتحق بسلسلة وفيات وثقتها منظمات حقوقية داخل السجون ومقار الاحتجاز، وسط اتهامات متكررة بتأخير العلاج وغياب الرقابة المستقلة.

 

وفاة مريض كلى بعد سنوات احتجاز

 

بحسب مركز الشهاب لحقوق الإنسان، توفي السيد محمود إبراهيم عبد العال، البالغ 58 عامًا، بعد تدهور حالته الصحية داخل الاحتجاز، ثم نقله إلى مستشفى الأحرار بالزقازيق، حيث ظل هناك نحو شهر قبل وفاته، ثم جرى دفنه في مسقط رأسه بمحافظة الشرقية.

 

وبسبب إصابته بمرض مزمن في الكلى، احتاج السيد أبو شقرة إلى جلسات غسيل كلوي منتظمة، غير أن وجود مريض بهذه الحالة داخل بيئة احتجاز يفرض التزامًا صحيًا أشد، لأن أي تأخير في الجلسات أو المتابعة الطبية قد يحول المرض المزمن إلى خطر مباشر على الحياة.

 

ثم تطرح الواقعة سؤالًا محددًا حول توقيت النقل إلى المستشفى، لأن انتقاله قبل نحو شهر من الوفاة يشير إلى أن حالته بلغت مرحلة حرجة، بينما تؤكد الشهادات الحقوقية المتكررة أن نقل المرضى غالبًا ما يأتي بعد تفاقم المرض لا عند ظهور مؤشرات الخطر الأولى.

 

وفي هذا السياق، قالت الدكتورة عايدة سيف الدولة، وهي طبيبة نفسية ومؤسسة مشاركة في مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، إن الإهمال الطبي في السجون لا يجد مبررًا، لأن الدولة تحتجز الشخص ثم تتحمل مسؤولية علاجه كاملًا داخل الاحتجاز.

 

وبناء على ذلك، لا يمكن فصل وفاة السيد أبو شقرة عن ملف المرضى داخل السجون، لأن أصحاب الأمراض المزمنة يحتاجون أدوية منتظمة وفحوصًا دورية وقرارات نقل عاجلة، بينما تتحدث عائلات كثيرة عن تأخير متكرر في الاستجابة الطبية داخل أماكن الاحتجاز.

 

أرقام الوفيات تكسر خطاب الإصلاح

 

بعد وفاة السيد أبو شقرة، عاد ملف وفيات السجون إلى الواجهة، لأن تقارير حقوقية رصدت نحو 78 حالة وفاة داخل أماكن الاحتجاز خلال 2025، ضمن سجل شمل التعذيب والإهمال الطبي وسوء ظروف الاحتجاز، بحسب ما أورده مركز النديم في تقريره السنوي.

 

ومع بداية 2026، استمرت تقارير منظمات حقوقية في تسجيل حالات وفاة جديدة، وهو ما ينفي فكرة أن الأمر يرتبط بحالات فردية أو أعمار متقدمة فقط، لأن تكرار الوقائع داخل سجون مختلفة يعني وجود خلل ثابت في منظومة الرعاية والرقابة والمحاسبة.

 

ثم تتسع الصورة عند النظر إلى تقديرات حقوقية أوسع، إذ تحدثت تقارير عن أكثر من 1200 وفاة داخل السجون ومقار الاحتجاز منذ 2013، وهو رقم ضخم يكشف أن الأزمة تجاوزت مستوى الوقائع المنفصلة ودخلت نطاق الظاهرة الممتدة عبر سنوات.

وفي هذا الإطار، يؤكد عمرو مجدي، الباحث في هيومن رايتس ووتش والطبيب السابق، أن آلاف المحتجزين في مصر يعيشون في ظروف احتجاز قاسية، وأن ضعف الرعاية الصحية داخل السجون يرتبط ببنية أوسع من الحبس المطول وسوء المعاملة وغياب الرقابة المستقلة.

 

ولهذا السبب، تبدو لغة وزارة الداخلية عن مراكز الإصلاح والتأهيل بعيدة عن الوقائع الموثقة، لأن بيانات الدعاية الرسمية تتحدث عن رعاية صحية وبرامج تأهيل، بينما تكشف حالات الوفاة المتتابعة أن المريض لا يحتاج شعارات، بل يحتاج طبيبًا ودواءً وقرار نقل سريعًا.

 

الإنكار الرسمي يحمي منظومة بلا محاسبة

 

في المقابل، تصر الجهات الرسمية على تقديم السجون بوصفها مراكز إصلاح وتأهيل توفر الرعاية للنزلاء، وتنشر وزارة الداخلية والهيئة العامة للاستعلامات موادًا عن الخدمات والأنشطة داخل تلك المراكز، لكن هذه الصورة لا تجيب عن وفيات المرضى ولا تكشف نتائج تحقيقات مستقلة.

 

وبسبب هذا الإنكار، تتحول كل وفاة إلى بيان حزن عابر بدل أن تصبح تحقيقًا جنائيًا معلنًا، لأن الدولة لا تنشر عادة سجلات طبية كاملة، ولا تسمح برقابة حقوقية مستقلة على أماكن الاحتجاز، ولا تقدم للرأي العام تفسيرًا واضحًا لتكرار موت المرضى.

 

ثم تزيد خطورة الأزمة مع السجناء السياسيين والمحبوسين احتياطيًا، لأن كثيرين منهم يقضون سنوات بلا حكم نهائي، بينما يتحول الحبس المطول إلى عقوبة فعلية، وتصبح الرعاية الصحية المحدودة جزءًا من كلفة سياسية يدفعها الجسد قبل صدور أي إدانة نهائية.

 

وفي هذا المعنى، يرى حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن أزمة سجناء الرأي وذويهم تمثل ظلمًا واسعًا لا يمكن استمراره بلا تصحيح، وهو طرح يضع وفاة المرضى داخل الاحتجاز في قلب ملف الحبس الاحتياطي والتدوير.

 

وبعد وفاة السيد أبو شقرة، لا تكفي بيانات النفي ولا زيارات الوفود المعلنة إلى السجون، لأن الدولة مطالبة بتحقيق مستقل في أسباب الوفاة، وبمراجعة ملفات المرضى المزمنين، وبإعلان أسماء المحتجزين الذين يحتاجون نقلًا طبيًا أو إفراجًا صحيًا عاجلًا.

 

وفي النهاية، تكشف هذه الوفاة أن السجن في مصر قد يتحول بالنسبة للمريض إلى عقوبة صحية مفتوحة، لأن غياب العلاج في الوقت المناسب يقتل ببطء، ولأن الإنكار الرسمي يمنع المحاسبة، ولأن كل جثمان جديد يثبت أن الأزمة ليست استثناءً بل سياسة تحتاج إلى وقف فوري.