أثار إطلاق النار قرب دونالد ترامب في عشاء مراسلي البيت الأبيض موجة تعليقات عربية حادة، جمعت بين التشكيك في الرواية الرسمية واتهام الرئيس الأميركي باستثمار الحادث سياسيًا.

 

وتحولت الواقعة من حادث أمني إلى مادة سياسية مفتوحة، بعدما ربط معلقون بين توقيت الحادث وحرب إيران وتراجع شعبية ترامب واستقطاب المجتمع الأميركي.

 

رواية رسمية تنفي إيران وتعليقات تشكك في توقيت الحادث

 

أكد ترامب بعد حادث عشاء مراسلي البيت الأبيض أن إطلاق النار لم يكن مرتبطًا بالحرب مع إيران، وقالت تقارير أميركية إن المشتبه به كول توماس آلن أوقف بعد إطلاق النار قرب نقطة تفتيش في فندق واشنطن هيلتون، بينما واصلت السلطات التحقيق في الدافع.

 

وفي المقابل، فتح الصحفي أيبو علي الديراني باب التشكيك في التوقيت، إذ ربط بين تصريح منسوب للمتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت قبل الحادث وبين إطلاق النار، واعتبر أن استخدام عبارة عن طلقات نارية قبل الواقعة بأقل من ساعة لا يبدو صدفة في قراءته.

 

 

ثم دخل الصحفي محمد عبد الرحمن على خط السخرية السياسية، وربط الحادث بما وصفه باستدعاء واقعة المنشية في مصر، وقد عكس تعليقه اتجاها يرى أن الحوادث الأمنية قد تتحول إلى مشاهد سياسية قابلة للتوظيف، خصوصًا حين يقع الهدف في موقع سلطة ويملك آلة خطاب واسعة.

 

 

وبالتزامن مع هذا التشكيك، نشرت منصة ديوان يومي تصريح ترامب الذي نفى فيه ارتباط إطلاق النار بإيران، وقد جاء النفي سريعًا في توقيت حساس، لأن الحرب مع إيران كانت حاضرة في خلفية المشهد، ولأن اتهام طرف خارجي كان سيمنح البيت الأبيض مبررًا سياسيًا أوسع.

 

 

ويرى الباحث روبرت بيب، مدير مشروع الأمن والتهديدات في جامعة شيكاغو، أن الولايات المتحدة تمر بمستوى مرتفع من العنف السياسي ومحاولات الاستهداف، وتساعد هذه القراءة على فهم الحادث كجزء من بيئة داخلية مضطربة لا كواقعة معزولة عن الانقسام الأميركي.

 

استقطاب أميركي حاد ومخاوف من تكرار العنف السياسي

 

طرح الصحفي مأمون فندي قراءة تربط الحادث بالاستقطاب الأميركي، إذ قال إن محاولات الاعتداء على ترامب، سواء كانت حقيقية أو موضع شك، تعكس انتقال الخلاف من مستوى السياسات إلى انقسام مجتمعي ينتج فاعلين منفردين يرون العنف وسيلة للتعبير السياسي.

 

 

وبناء على هذه القراءة، لا يصبح ترامب وحده هدفًا محتملًا، لأن فندي حذر من أن الحادث قد يكون بداية لا نهاية، وأكد أن الخطر لا يعني وجود قطاع منظم يتبنى العنف، لكنه يعني وجود بيئة مستقطبة يمكن أن تدفع أفرادًا هامشيين إلى تجاوز القواعد الديمقراطية.

 

 

وفي اتجاه أكثر حدة، قالت الإعلامية رانيا بدوي إن الحادث، إذا كان مسرحية، فهو إخراج مرتبك مليء بالثغرات، وإذا كان حقيقيًا، فهو يطرح سؤالًا أخطر عن تكرار الاختراق الأمني قرب ترامب، ثم وسعت نقدها إلى ملفات السلام والحرب ووصفت حصيلته بالفشل.

 

 

ثم ذهب الصحفي العراقي نجاح محمد علي إلى اتهام ترامب بمحاولة استعادة تعاطف الناخب الأميركي عبر ما وصفه بمسرحية مكشوفة، وربط ذلك بانهيار شعبيته حتى بين أنصاره، وقد استخدم لغة سياسية مباشرة تعكس رفضًا واسعًا لرواية البراءة السياسية من الحادث.

 

 

ويقول جوناثان واكرو، وهو عنصر سابق في جهاز الخدمة السرية ومحلل أمني، إن أي اختراق من هذا النوع يفرض مراجعة شاملة لخطة الموقع الأمني وطبقات الحماية، ولذلك يظل سؤال الأمن قائمًا حتى إذا صحت رواية المنفذ المنفرد واستبعدت السلطات وجود ارتباط خارجي.

 

فوضى المشهد واستثمار سياسي محتمل قبل انتخابات التجديد النصفي

 

أضاف الصحفي أنيس منصور زاوية مختلفة، حين أشار إلى أن بعض الصحفيين وجدوا في فوضى الحادث فرصة لسرقة زجاجات نبيذ.

 

 

ثم تحدث معاذ عن تداول واسع لمقطع يقول إن صحفيين أخذوا زجاجات خمر ونبيذ بعد خروج ترامب واعتقال المشتبه به.

 

 

ومع أن هذه المقاطع تحتاج تحققًا مستقلًا، فإن انتشارها يعكس حالة ارتباك في تلقي الحدث، لأن الجمهور لم يتوقف عند إطلاق النار فقط، بل تابع تفاصيل جانبية تحولت إلى مادة سخرية وانتقاد للصحافة الأميركية والحاضرين داخل مناسبة يفترض أنها تحتفي بحرية الإعلام.

 

وفي قراءة سياسية أكثر هدوءًا، قال الصحفي راشد النعيمي إن ترامب قد يستفيد سياسيًا من الحادث، لأنه ركز في تصريحاته على شجاعة الخدمة السرية ونبذ العنف والوحدة الوطنية، ولم يبالغ في تقديم نفسه كضحية، بما يمنحه صورة القائد الذي يواجه التهديدات.

 

 

ثم ربط النعيمي هذا المسار بتراجع شعبية ترامب في بعض الاستطلاعات، ومنها استطلاع منسوب إلى إن بي سي وضع التأييد عند 37%، ورأى أن حدثًا يظهر الرئيس مستهدفًا قد يعزز قاعدته ويوحد الجمهوريين ويجذب بعض المستقلين الرافضين للعنف.

 

ويرى المؤرخ ماثيو داليك، المتخصص في تاريخ الرئاسة الأميركية، أن أمن الرئيس يتأثر بطبيعة الاستقطاب السياسي وبقدرة المؤسسات على ضبط لحظة الخطر، ولذلك يكشف حادث واشنطن هيلتون أزمة مزدوجة، تبدأ من الأمن ولا تنتهي عند خطاب ترامب السياسي.

 

وفي الخلاصة، لا تغلق رواية ترامب الرسمية باب الأسئلة، لأن نفي الصلة بإيران لا يفسر التوقيت، ولأن اعتقال المنفذ لا يبدد الشكوك السياسية، ولأن تكرار الاختراقات حول ترامب يمنح خصومه مادة جاهزة لاتهامه بالفشل الأمني أو الاستثمار الانتخابي في الخطر.