طالبت عضو مجلس الشيوخ وفاء رشاد، في 28 أبريل 2026، رئاسة الوزراء ووزارات الصحة والتعليم والتعليم العالي بإضافة مادة الثقافة الصحية والوقاية الطبية إلى المناهج الدراسية في مراحل التعليم المختلفة.

 

وتعيد المطالبة فتح أصل الأزمة، لأن الحكومة تطلب من الطلاب معرفة الوقاية والإسعافات والتغذية، بينما تترك المدارس مكتظة، والمستشفيات منهكة، والغذاء الصحي خارج قدرة ملايين الأسر.

 

الوعي الصحي لا يبدأ بمنهج جديد داخل مدرسة مرهقة

 

قالت النائبة إن المقترح يتضمن التوعية بأساسيات الصحة العامة وطرق الوقاية من الأمراض، ونشر ثقافة التغذية السليمة، والتعريف بالأمراض الشائعة، وتدريب الطلاب على الإسعافات الأولية، والتحذير من الإدمان والسلوكيات الضارة.

 

لكن الحكومة لا تستطيع تحويل الصحة المدرسية إلى مادة إضافية فقط، لأن المدرسة المصرية تواجه أصلا كثافة عالية ونقصا في المعلمين وضغطا على اليوم الدراسي، وقد قال وزير التعليم إن الوزارة خفضت الكثافات لأقل من 50 طالبا وتسعى إلى متوسط 31 طالبا بحلول 2027.

 

وبسبب هذه الكثافات، يصبح الحديث عن تدريب عملي على الإسعافات الأولية داخل الفصول حديثا ناقصا، لأن التدريب يحتاج إلى معلمين مؤهلين، ومساحات آمنة، وأدوات تطبيق، ومتابعة صحية، وليس مجرد صفحة جديدة في منهج يضاف إلى جدول مزدحم.

 

ثم إن الحكومة نفسها توسع المناهج والأنشطة الخطابية من دون أن تعالج بيئة المدرسة، وقد أشار وزير التعليم إلى تطوير 94 منهجا وفق معايير حديثة، بينما تبقى الكثافة والعجز في المعلمين من التحديات التي تعترف بها الوزارة في تصريحاتها.

 

لذلك يكشف المقترح تناقضا رسميا واضحا، لأن السلطة تتحدث عن بناء وعي صحي داخل مدارس لم تحسم بعد مشاكل الكثافة والتهوية والنظافة والتغذية المدرسية والتمريض المدرسي، وهي عناصر تسبق أي درس نظري عن الوقاية الطبية.

 

وفي هذا السياق، قالت الطبيبة منى مينا سابقا إن احتساب بنود لا يستفيد منها المواطن ضمن الإنفاق الصحي يطرح سؤالا مباشرا عن حقيقة استفادة الناس من أرقام الموازنة، وهو سؤال ينسحب على التعليم الصحي إذا بقي بلا تمويل فعلي.

 

ومن ثم لا تكمن المشكلة في رفض الثقافة الصحية، بل في تحويلها إلى عنوان سياسي سهل، لأن الطالب الذي يتعلم غسل اليدين يحتاج إلى حمام نظيف ومياه وصابون، والطالب الذي يدرس التغذية يحتاج إلى وجبة مدرسية كافية وأسرة قادرة على شراء الطعام.

 

الوقاية الطبية تسقط عندما ينهار حق العلاج

 

يربط المقترح بين الثقافة الصحية وحماية الأجيال الجديدة من المخاطر، لكن الوقاية لا تنجح في بلد يعاني نقصا واضحا في الكوادر الطبية، فقد قال الدكتور خالد أمين إن مصر من أقل الدول العربية في نسبة الأطباء والممرضين إلى السكان.

 

كما أوضح خالد أمين أن عدد الأطباء في مصر لا يتجاوز ثلث المعدلات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية لتقديم رعاية صحية أساسية جيدة، وهو رقم يضع أي حديث حكومي عن الوقاية أمام أزمة بنيوية في القدرة على العلاج والمتابعة.

 

وبناء على ذلك، لا يكفي أن يعرف الطالب أعراض المرض أو طرق الوقاية، لأن الأسرة تحتاج إلى وحدة صحية تعمل، وطبيب حاضر، ودواء متاح، وتحويل سريع إلى مستشفى مجهز، وهذه عناصر لا توفرها مادة دراسية إذا واصلت الحكومة إضعاف القطاع العام.

 

كذلك طالب نقيب الأطباء أسامة عبد الحي بتعميم اللائحة المالية لهيئة الرعاية الصحية على جميع أطباء مصر، وقال إن دعم الأطباء يبدأ ببيئة عمل آمنة وقانون يحمي حقوقهم، وهو حديث يكشف أن الأزمة تتعلق بمنظومة العمل لا بوعي المواطن فقط.

 

وعندما يتحدث المقترح عن تدريب الطلاب على الإسعافات الأولية، تبرز الفجوة نفسها، لأن المدرسة تحتاج إلى طبيب أو زائرة صحية ومخزون أدوات إسعاف وخطة طوارئ واضحة، بينما تعاني المنظومة الطبية من نقص الأطباء وهجرة الكوادر وضعف بيئة العمل.

 

في المقابل، كشفت تقارير عن نزيف في الكوادر الطبية، إذ يبلغ عدد الأطباء المسجلين في النقابة نحو 260 ألف طبيب، بينما لا يعمل داخل مصر سوى 110 إلى 120 ألف طبيب، وهو مؤشر يعكس عمق الأزمة.

 

ومن هنا يصبح التركيز على مادة الثقافة الصحية وحدها تهربا من السؤال الأهم، لأن الحكومة مطالبة بتمويل الصحة العامة، ورفع أجور الأطباء، وتحسين المستشفيات، وتوفير وحدات صحية مدرسية، قبل أن تطلب من الأطفال تحمل مسؤولية وقاية عجزت الدولة عن تنظيمها.

 

التغذية السليمة لا تدرسها حكومة تترك الغذاء للأغلى

 

يتحدث المقترح عن نشر ثقافة التغذية السليمة والعادات الصحية اليومية، لكن هذا البند يفضح الحكومة أكثر مما يمدحها، لأن التغذية ليست معلومة فقط، بل قدرة اقتصادية يومية على شراء بروتين وخضروات وفاكهة ومياه آمنة داخل بيت محدود الدخل.

 

وقد حذر تقرير للأمم المتحدة من ارتفاع نسبة من يعانون من سوء التغذية في مصر إلى 8.5% في 2023، بينما أشار تقرير صحفي إلى أن أكثر من 9 ملايين شخص يعانون من سوء التغذية مع ارتفاع الأسعار.

 

وبالتالي لا يمكن للحكومة أن تطلب من الطلاب حفظ قواعد الغذاء الصحي بينما تدفع السياسات الاقتصادية الأسر إلى تقليل اللحوم والأسماك والدواجن والفاكهة، لأن الوعي لا يعوض غياب القدرة الشرائية، ولا يحول الطعام الغالي إلى وجبة متاحة.

 

كما أظهرت مبادرة الكشف عن أمراض سوء التغذية بين طلاب المدارس أن الأنيميا كانت عند 30% عند انطلاق المبادرة في 2018، قبل إعلان تراجعها إلى 9%، وهو رقم يكشف حجم المشكلة الأصلية داخل أجساد الطلاب.

 

وعلى مستوى أوسع، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة في أغسطس 2024 إن 1 من كل 3 أطفال ويافعين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعاني شكلا من سوء التغذية، وإن زيادة الوزن والسمنة ترتفع بين الأطفال في سن المدرسة.

 

وفي هذا الإطار، قال خبير الغذاء نادر نور الدين إن الحكومة تتحمل مسؤولية الوضع الغذائي بسبب سياسات الإصلاح الاقتصادي التي أدت إلى خفض الإنفاق على الطعام، وفق نقل صحفي مرتبط ببيانات سوء التغذية وفقر الدم في مصر.

 

لذلك لا يصبح درس التغذية السليمة بريئا عندما يأتي منفصلا عن الأسعار، لأن الدولة التي ترفع كلفة المعيشة وتترك السوق بلا حماية فعلية لا تستطيع إقناع الأطفال بأن المشكلة في وعي الأسرة، بينما المشكلة في دخل لا يكفي وطعام يزداد غلاء.

 

وفي النهاية، تكشف دعوة إدراج مادة الثقافة الصحية أصل المرض لا علاجه، لأن الحكومة تحاول نقل عبء الوقاية إلى المنهج، بينما تتراجع مسؤوليتها في المدرسة والمستشفى والسوق، ويظل الطالب محاصرا بين فصل مزدحم وعيادة ناقصة وبيت يضغطه الغلاء.

 

وأخيرا، يحتاج المصريون إلى صحة عامة قبل مادة صحية، وإلى غذاء متاح قبل درس عن التغذية، وإلى طبيب ومدرسة ودواء قبل خطاب الوقاية، لأن الدولة التي لا تمول الحق في الصحة لا يحق لها أن تختصر الأزمة في كراسة جديدة.