أعلنت مجموعة طلعت مصطفى مشروع ذا سباين داخل مدينتي شرق القاهرة باستثمارات تتجاوز 1.4 تريليون جنيه ومبيعات متوقعة فوق 1.7 تريليون جنيه، وسط حضور حكومي واسع رفع المشروع إلى واجهة المشهد الاقتصادي.
وكشف الاحتفاء الرسمي بالمشروع أن حكومة السيسي تراهن على العقار الفاخر كطريق سريع للحصيلة والربح، بينما تبقى أزمة السكن والقدرة الشرائية خارج الأولويات الفعلية للسياسات العامة.
أرقام تريليونية في مشروع لا يخاطب أغلب المصريين
طرحت مجموعة طلعت مصطفى مشروع ذا سباين بوصفه مدينة داخل مدينة تمتد على طول 5 كيلومترات في قلب مدينتي، وتضم أبراجا سكنية وإدارية وفندقية وتجارية، مع توقعات باستقبال 120 ألف زائر يوميا وأكثر من 40 مليون زائر سنويا عند اكتمال التشغيل.
وبحسب إفصاح الشركة، تستهدف المجموعة مبيعات تعاقدية تتجاوز 1.7 تريليون جنيه خلال دورة تطوير المشروع، مع هامش صافي ربحية يتراوح بين 20% و25% على المبيعات العقارية، وإيرادات متكررة تتجاوز 50 مليار جنيه سنويا عند اكتمال المشروع.
ثم أعلنت المجموعة أن المشروع ينفذ عبر شركة تابعة مملوكة بالأغلبية برأسمال مدفوع يبلغ 69 مليار جنيه، بينما يملك البنك الأهلي المصري 25.5% من المشروع، وهو ما يكشف دخول بنك عام كبير في مشروع عقاري فاخر ضمن شراكة تمنح المطور غطاء ماليا ورسميا واسعا.
وبالتوازي، قالت الشركة إن المشروع يضم 20,000 شقة سكنية و1,251 شقة فندقية، إلى جانب 580,000 متر مربع من المكاتب الإدارية و565,000 متر مربع للمحال والمطاعم والأنشطة الترفيهية، إضافة إلى فنادق عالمية تضم 3,500 غرفة وجناح فندقي.
وعلى مستوى الأسعار، يبدأ حجز الوحدات بمقدم 1.4% من ثمن الوحدة، بما يصل إلى 300 ألف جنيه دفعة تعاقد، ثم 300 ألف جنيه أخرى بعد 3 شهور، مع قسط شهري يبدأ من 30 ألف جنيه لأقل الوحدات سعرا ودفعات ربع سنوية تبدأ من 300 ألف جنيه.
لهذا تبدو أرقام الحجز نفسها كاشفة لطبيعة المشروع، لأن سعر الوحدة ذات الغرفة الواحدة يبدأ من 11.5 مليون جنيه، وترتفع وحدات الغرفتين إلى 15.5 مليون جنيه، وتصل وحدات 3 غرف إلى 25.9 مليون جنيه، وهي مستويات تضع المشروع خارج قدرة أغلب الأسر المصرية.
وفي هذا السياق، يرى الباحث العمراني يحيى شوكت، مؤلف كتاب أزمة الإسكان في مصر، أن سياسات السكن في مصر لا تنفصل عن تشكيل الفضاء الحضري والحق في المدينة، وهذا المعنى يجعل الاحتفاء بمشروع فاخر داخل مدينة مغلقة سؤالا سياسيا لا عقاريا فقط.
الدولة تجمع الضرائب من الرفاهية وتترك أزمة السكن
أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال تدشين المشروع أن ذا سباين سيدر عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما قال هشام طلعت مصطفى إن المشروع سيوفر أكثر من 55 ألف فرصة عمل مباشرة و100 ألف فرصة غير مباشرة ويساهم بما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبعد هذا الإعلان، تحول المشروع من طرح عقاري خاص إلى احتفال حكومي كامل، لأن المؤتمر عقد بمقر رئاسة مجلس الوزراء بحضور رئيس الحكومة ومحافظ البنك المركزي وعدد من الوزراء، وهو حضور يوضح أن الدولة ترى في المشروع واجهة اقتصادية أكثر من كونه قرارا استثماريا عاديا.
ثم جرى تعليق التداول على سهم مجموعة طلعت مصطفى في البورصة المصرية لمدة 10 دقائق خلال أول ساعة من جلسة الأحد بعد صعوده بأكثر من 10%، قبل أن يقلص مكاسبه إلى 7.5% عند سعر 93 جنيها، بما عكس استجابة سريعة لرأس المال.
لكن هذا الصعود في البورصة لا يجيب على سؤال السكن، لأن المشروع يبيع وحدات تبدأ من ملايين الجنيهات في بلد يعاني فيه المواطن من ارتفاع الإيجارات والأسعار والديون وتآكل الدخول، بينما تحتفي الحكومة بقدرة مشروع فاخر على ضخ ضرائب لا بحل أزمة اجتماعية.
ومن ناحية ضريبية، كتبت الباحثة الاقتصادية سلمى حسين أن 80 جنيها من كل 100 جنيه من الثروة في مصر مكدسة في العقارات، بينما لا تمثل الحصيلة الضريبية على تلك العقارات سوى نسبة ضئيلة، وطالبت بزيادة حصيلة الضريبة العقارية حتى 1% من الناتج المحلي.
بناء على ذلك، تبدو مفارقة ذا سباين واضحة، لأن الحكومة تحتفي بعوائد ضريبية مستقبلية من مشروع فاخر، لكنها لا تواجه بجدية اختلال سوق عقاري يسمح بتكديس الثروة في وحدات مرتفعة السعر، بينما يعجز كثير من المصريين عن امتلاك أو استئجار مسكن مناسب.
كذلك أشار الخبير الاقتصادي هاني توفيق، في تعليقات منشورة عن سوق العقارات، إلى أن الاستثمار العقاري في مصر يمثل 20% من الناتج المحلي مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 10%، محذرا من أن الموارد المحدودة تحتاج إعادة ترتيب أولويات لا احتفالا بمشروع عقاري جديد.
تحالف الحكومة والمطورين يعمق اقتصاد المدن المغلقة
في مرحلة التنفيذ، يفترض أن يبدأ تسليم الوحدات السكنية خلال 5 سنوات، بحسب تصريح يحيى أبو الفتوح نائب رئيس البنك الأهلي المصري، بينما قال إن المشروع سيؤتي ثماره خلال 10 سنوات كحد أقصى، وهو جدول يجعل العوائد العامة مؤجلة بينما تبدأ المبيعات والحجوزات فورا.
وبسبب هذا الجدول، يحصل المطور على سيولة مبكرة من مقدمات الحجز والأقساط، ويحصل البنك العام على موقع شريك داخل مشروع ضخم، بينما ينتظر المجتمع عوائد ضريبية وفرص عمل مستقبلية لا تعالج أزمة القدرة الشرائية الحالية ولا تخفض أسعار السكن في المدن المفتوحة.
كما يقع المشروع داخل مدينتي على مساحة تقارب 3.9 مليون متر مربع، ويضم 165 برجا بارتفاعات تصل إلى 130 مترا، إلى جانب منطقة استثمارية خاصة ومنطقة حرة، وهي تركيبة تكثف نموذج المدينة المغلقة الموجهة للقادرين وللاستثمار لا للحق العام في السكن.
وفي المقابل، لا تقدم الحكومة برنامجا موازيا واضحا بنفس الزخم لحل أزمة السكن المتوسط والمنخفض داخل المدن القائمة، ولا تمنح سكان العشوائيات والمستأجرين والمتضررين من ارتفاع الأسعار مؤتمرا مشابها، لأن الاهتمام الرسمي يتحرك عندما تكون الأرقام تريليونية والمشتري قادرا.
ومن جهة أخرى، تكشف محفظة طلعت مصطفى حجم تمدد المطورين الكبار في العمران المصري، إذ تضم المجموعة مشروعات مدينتي والرحاب وسيليا في العاصمة الإدارية ونور شرق القاهرة وساوث ميد في الساحل الشمالي، بما يجعلها شريكا مركزيا في توجه الدولة نحو العمران الربحي.
لذلك لا يمكن فصل ذا سباين عن سياسة أوسع تدفع الاقتصاد نحو العقار باعتباره مخزنا للثروة وواجهة للنمو، بينما تترك الصناعة والزراعة والخدمات العامة تواجه نقص التمويل والضغط، وتترك المواطن العادي أمام سوق سكن لا تقيس احتياجاته بل تقيس قدرته على الدفع.
وفي الخلاصة، يقدم مشروع ذا سباين صورة دقيقة لأولويات حكومة السيسي، حيث تقف الدولة والبنوك العامة خلف مشروع فاخر بمبيعات تتجاوز 1.7 تريليون جنيه، بينما يبقى حق السكن في الهامش، وتتحول القاهرة الجديدة إلى مساحة ربح للقطاع العقاري لا حل لأزمة المصريين.

