يواجه قطاع الدواء اختبارًا حرجًا، مع تصاعد الضغوط على المرضى وتزايد المخاوف من تداعيات اجتماعية وصحية قد تتجاوز حدود السوق إلى تهديد مباشر للسلامة العامة.

 

وبينما تدرس هيئة الدواء عشرات الطلبات المقدمة من شركات الأدوية لتحريك الأسعار، تتكشف على الأرض ملامح أزمة أكثر تعقيدًا، عنوانها الرئيسي: صعوبة الوصول إلى العلاج الآمن.

 

مراجعات تسعيرية وضغوط إنتاجية

 

تشهد سوق الدواء حالة من الترقب، مع نظر الجهات التنظيمية في نحو 150 طلبًا لتحريك أسعار الأدوية، ضمن آلية مراجعة دورية تُجرى كل ستة أشهر، تأخذ في الاعتبار تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الإنتاج، خاصة مع اعتماد الصناعة على مكونات مستوردة.

 

وتأتي هذه الخطوة بعد زيادات سابقة طالت أكثر من 130 صنفًا دوائيًا خلال منتصف عام 2025، شملت أدوية أساسية لمرضى الأمراض المزمنة، مثل أدوية الضغط والسكري وأمراض القلب، ما ضاعف الأعباء على ملايين المرضى.

 

عبء اقتصادي يثقل كاهل المرضى

 

تكشف شهادات ميدانية عن واقع معيشي ضاغط، حيث باتت تكلفة العلاج تستنزف الجزء الأكبر من دخول بعض الأسر، خاصة أصحاب المعاشات.

 

ويؤكد مواطنون أن الإنفاق على الدواء قد يصل إلى ثلاثة أرباع دخلهم الشهري، ما يدفع البعض إلى العمل الإضافي أو الاستدانة لتوفير احتياجاتهم الصحية.

 

هذا الواقع خلق نمطًا جديدًا من “إدارة المرض تحت الضغط”، حيث يضطر المرضى إلى تقليص نفقاتهم الدوائية، ولو على حساب انتظام العلاج.

 

“تقليل العلاج”.. سلوك اضطراري بمخاطر صحية

 

داخل الصيدليات، يرصد العاملون تحولًا ملحوظًا في سلوك المستهلكين، إذ أصبح السعر عاملًا حاسمًا في قرار الشراء. كثير من المرضى باتوا يكتفون بشراء الأدوية الأساسية فقط، مع الاستغناء عن المكملات الغذائية والفيتامينات.

 

كما انتشرت ظاهرة شراء “شريط واحد” أو حتى أقراص منفردة بدلًا من العبوات الكاملة، في محاولة لتقليل التكلفة، وهو ما يثير قلقًا طبيًا بشأن عدم الالتزام بالجرعات المقررة، وما قد ينتج عنه من مضاعفات أو تدهور في الحالة الصحية.

 

بدائل غير رسمية.. حلول مؤقتة بمخاطر طويلة

 

ومع استمرار الضغوط، يلجأ بعض المرضى إلى بدائل غير تقليدية، مثل الأعشاب والوصفات الشعبية، أو نصائح متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، دون إشراف طبي. ويشمل ذلك استخدام مشروبات طبيعية أو وصفات منزلية كبدائل للعلاج الدوائي.

 

لكن خبراء الصحة يحذرون من خطورة هذا الاتجاه، مؤكدين أن الاعتماد على مصادر غير موثوقة قد يؤدي إلى تأخر العلاج أو حدوث مضاعفات خطيرة، خاصة لدى مرضى الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى متابعة دقيقة وأدوية محددة.

 

سوق موازية وأدوية مجهولة المصدر

 

أخطر ما في الأزمة، بحسب مختصين، هو تنامي اللجوء إلى قنوات غير رسمية للحصول على الدواء، سواء عبر الإنترنت أو السوق السوداء، حيث تُعرض منتجات غير مرخصة أو مجهولة المصدر بأسعار أقل.

 

ويمثل هذا التوجه تهديدًا مباشرًا للصحة العامة، في ظل غياب الرقابة الكاملة على هذه القنوات، واحتمالات انتشار أدوية مغشوشة أو غير مطابقة للمواصفات.

 

تحذيرات من اتساع “الفجوة العلاجية”

 

على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، يحذر خبراء من أن استمرار ارتفاع الأسعار دون تدخلات موازية للحماية الاجتماعية قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين من يستطيعون تحمل تكلفة العلاج ومن يعجزون عن ذلك.

 

ويطالب مختصون بضرورة تعزيز برامج الدعم، وتوسيع مظلة التأمين الصحي، إلى جانب مراجعة سياسات التسعير بما يحقق توازنًا بين استدامة الصناعة وضمان وصول المرضى إلى العلاج.