كشفت وزارة المالية في مصر عن أرقام موازنة العام المالي 2026/2027 ، حيث قدرت الإيرادات العامة بنحو 4054.875 مليار جنيه، بينما بلغت فوائد الديون وحدها 2419.823 مليار جنيه، لتستحوذ تكلفة الاقتراض على نحو 59.7% من الدخل المتوقع وتترك الحكومة أمام موازنة محاصرة بالدائنين.

 

وضعت هذه الأرقام المواطن مباشرة أمام نتيجة سياسية وإنسانية محددة، لأن الحكومة اختارت إدارة العجز عبر الاقتراض المتواصل متجاهلة بناء موارد إنتاجية مستقرة، بينما يدفع العامل والموظف والمريض والطالب كلفة هذا الاختيار من نصيبهم في التعليم والعلاج والدعم والخدمات الأساسية خلال موجات الغلاء.

 

الإيرادات تحت ضغط الفوائد

 

في هذا السياق، تظهر مخصصات العام المالي 2026/2027 أن الإيرادات المقدرة عند 4054.875 مليار جنيه لا تكفي لإطلاق إنفاق خدمي واسع، لأن بند فوائد الدين وحده وصل إلى 2419.823 مليار جنيه، وهو رقم يحول أغلب الدخل العام إلى مدفوعات مالية قبل وصوله إلى أبواب الخدمات.

 

وعلى هذا الأساس، تصبح فجوة التمويل نتيجة مباشرة لسياسة الاقتراض الحكومي، لأن الدولة تحتاج إلى سيولة ضخمة لتشغيل الجهاز العام والوفاء بالالتزامات الجارية، بينما تستهلك تكلفة الدين جزءا هائلا من الموارد وتدفع الحكومة إلى مزيد من البحث عن تمويل جديد.

 

لذلك، يرى الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن قراءة أرقام الموازنة تحتاج إلى تفكيك الجداول الرسمية لا الاكتفاء بالتصريحات المختارة، لأن الحكومة تعرض أرقاما متعددة داخل البيانات المالية، بينما تكشف أرقام الفوائد والأقساط الحجم الحقيقي للضغط الذي يواجه المال العام.

 

في المقابل، تؤكد بيانات الموازنة أن الحديث الرسمي عن تحسين الخدمات يصطدم بحقيقة مالية واضحة، لأن كل جنيه يذهب إلى فوائدالدين يقلل قدرة الدولة على تمويل المدارس والمستشفيات والنقل العام، ويجعل وعود التطوير مشروطة بموافقة الدائنين لا باحتياجات المواطنين.

 

الاستدانة تزيح الصحة والتعليم

 

بالتزامن مع ذلك، تكشف تقديرات خدمة الدين أن المشكلة لا تتوقف عند فوائد بقيمة 2419.823 مليار جنيه، لأن الموازنة تواجه أيضا أقساط قروض محلية وأجنبية، وهو ما يرفع عبء السداد الكلي إلى مستويات تسبق أي نقاش جاد حول الإنفاق الاجتماعي.

 

ومن ثم، تتراجع الأولوية العملية للخدمات الأساسية كالتعليم والصحة أمام الالتزام بسداد أقساط الدين، لأن الحكومة تضع الفوائد والأقساط في مقدمة الاستخدامات، بينما تبقى القطاعات الخدمية في موقع التابع للمتبقي من الموارد، وهو ترتيب يعكس اختلالا واضحا في إدارة المال العام.

 

وفي هذا الإطار، حذرت الباحثة الاقتصادية سلمى حسين في بحثها حول العدالة الضريبية والموازنة من أن هيمنة الديون على الإنفاق تنقل عبء الأزمة إلى دافعي الضرائب، لأن المواطن يمول كلفة الاقتراض ثم يحصل على خدمات عامة محدودة لا تتناسب مع حجم ما يدفعه.

 

وبناء على ذلك، يتحول الضغط المالي إلى أزمة معيشية مباشرة، لأن الأسرة المصرية تدفع الضرائب والرسوم وارتفاع الأسعار، ثم تواجه مدارس مزدحمة ومستشفيات ناقصة التمويل ومواصلات مرهقة، بينما تعلن الحكومة أرقاما عن الانضباط المالي لا تغير واقع الإنفاق على الأرض.

 

حكومة توسع الاقتراض وتطلب الصبر

 

بعد ذلك، يوضح مسار الموازنة أن الحكومة لا تقدم علاجا جذريا لأزمة الاستدانة، لأنها تستمر في الاعتماد على أدوات الدين وتمويل العجز، وتراهن على خفض تدريجي في المؤشرات خلال سنوات لاحقة، رغم أن الأرقام الحالية تؤكد استمرار الضغط في العام المالي الجديد.

 

كما يرى الكاتب الاقتصادي وائل جمال أن الموازنة العادلة لا تقاس بحجم الإنفاق الكلي فقط، بل تقاس بقدرتها على حماية الصحة والتعليم والحياة اليومية من أولوية الدائنين، وهو معيار يضع السياسة المالية المصرية أمام فشل واضح في ترتيب احتياجات الناس.

 

ومن جهة أخرى، تكشف نسبة 59.7% أن بند الفوائد لم يعد رقما فنيا داخل جداول وزارة المالية، بل أصبح قرارا يحدد من يحصل على الموارد أولا، لأن الحكومة تمنح الدائنين أولوية السداد بينما تؤجل تحسين الخدمات إلى ما بعد تجاوز العجز والتمويل.

 

لهذا السبب، تبدو دعوات الحكومة للمواطنين إلى الصبر منفصلة عن واقع الموازنة، لأن المواطن لا يواجه رقما مجردا بل يواجه أثرا يوميا في الأسعار وفواتير العلاج والدروس والمواصلات، بينما يستمر الخطاب الرسمي في تحميل الأزمة لعوامل خارجية وتجاهل مسؤولية التوسع في الاقتراض.

 

وفي النهاية، تؤكد موازنة 2026/2027 أن الأزمة لم تعد في نقص الموارد وحده، بل في ترتيب استخدامها، لأن حكومة تخصص نحو 2419.823 مليار جنيه للفوائد من إيرادات قدرها 4054.875 مليار جنيه تختار فعليا حماية الدائنين قبل حماية المواطنين.