كشفت بيانات رسمية ودولية عن وصول الدين الخارجي لمصر إلى 168.03 مليار دولار في ديسمبر 2023 قبل أن يتراجع إلى 152.9 مليار دولار في يونيو 2024 بالقاهرة بعد تحويل ودائع إماراتية إلى استثمار في رأس الحكمة بينما ظل نموذج الإنفاق على العاصمة الإدارية والطرق والمدن الجديدة يضغط على الموازنة ويزاحم الاقتصاد الإنتاجي.

 

حملت هذه الأرقام نتيجة سياسية واجتماعية مباشرة لأن حكومة عبد الفتاح السيسي واصلت توجيه الموارد إلى مشروعات عقارية ضخمة ومدن فاخرة وقصور رئاسية في وقت دفع المواطن ثمن التضخم وضعف الأجور وتراجع القدرة الشرائية بينما بقيت الصناعة والزراعة والتصدير خارج مركز القرار الاقتصادي.

 

العاصمة الإدارية نموذج للإنفاق العقاري بلا عائد إنتاجي

 

في هذا السياق أصبحت العاصمة الإدارية الجديدة عنوانا واضحا لاختلال الأولويات لأن تقديرات تكلفة المشروع وصلت إلى 58 مليار دولار بحسب تقديرات منشورة منذ 2019 بينما أنفقت الشركة القائمة على المشروع نحو 500 مليار جنيه على المرحلة الأولى من البنية الأساسية والمباني حتى يناير 2024.

 

وبعد ذلك لم تقدم الحكومة للمصريين دليلا مقنعا على أن هذا الإنفاق الضخم يعالج أزمة النقد الأجنبي أو يزيد الصادرات أو يرفع الطاقة الصناعية لأن المشروع يقوم أساسا على بيع الأراضي والوحدات ونقل المقرات الحكومية لا على بناء قاعدة إنتاجية تخلق دخلا مستداما بالعملة الصعبة.

 

كما أشار تيموثي كالداس نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط إلى أن المشروعات الكبرى والسيطرة الواسعة للشركات التابعة للدولة والجيش أضعفت قدرة الاقتصاد على خلق نمو يقوده القطاع الخاص ولذلك أصبح الإنفاق على العاصمة والمدن الجديدة جزءا من مشكلة النمو لا حلا لها.

 

ثم زادت المفارقة حين واصلت الحكومة تقديم المدن الجديدة بوصفها مشروعات تنمية بينما بقيت أسعار وحداتها بعيدة عن قدرة أغلبية المصريين الذين يواجهون التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة ولذلك تحولت هذه المدن إلى سوق ضيق للطبقات الأعلى دخلا لا إلى مشروع وطني يعالج أزمة السكن والإنتاج.

 

الدين يمول الإسمنت ويترك الصناعة خارج الأولوية

 

لذلك ظهر أثر الاقتراض بوضوح في بنية الاقتصاد لأن الدين الخارجي تضاعف من أقل من 40 مليار دولار في 2015 إلى 168.03 مليار دولار في نهاية 2023 بحسب بيانات البنك المركزي وتقارير رويترز بينما مولت الدولة العاصمة ومشروعات البنية الأساسية وتسليحا واسعا ودعما لسعر صرف غير قابل للاستمرار.

 

وعلى هذا الأساس لا تبدو المشكلة في الاقتراض وحده بل في استخدامه لأن القرض يصبح أداة تنمية عندما يمول صناعة وتصديرا وفرص عمل مستدامة أما عندما يذهب إلى عقارات وطرق ومدن إدارية فإنه يخلق أصلا صعب البيع ويترك الخزانة أمام فوائد وأقساط لا تنتظر عائدا إنتاجيا.

 

في المقابل حذر ستيفان رول الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية من أن سياسة الدين في مصر ارتبطت بمركز السلطة الرئاسي وبحماية مصالح الجيش وتمويل مشروعات كبرى تحقق له عوائد وتزيد خطر عدم قدرة الدولة على خدمة التزاماتها في المستقبل.

 

لاحقا ظهر نفس الخلل في مشروع الموازنة لأن خدمة الدين أصبحت تستحوذ على مساحة ضخمة من الإنفاق العام بينما تواجه الصحة والتعليم والدعم ضغوطا متكررة ولذلك لا يدفع المصري ثمن القرض من بند مالي مجرد بل يدفعه في الخبز والمواصلات والكهرباء والخدمات العامة.

 

وبالتزامن مع ذلك قال صندوق النقد الدولي في يوليو 2025 إن الإصلاحات الهيكلية في مصر حققت تقدما مختلطا وإن هيمنة الشركات المملوكة للدولة والجيش ما زالت تعوق الاقتصاد بينما توقع ارتفاع الدين الخارجي من 162.7 مليار دولار في 2024 و2025 إلى 202 مليار دولار في 2029 و2030.

 

مدن نخبوية وقصور وسيطرة أمنية بدل الاقتصاد المنتج

 

ومن ناحية أخرى لم يكن بناء القصور الرئاسية والمجمعات الفاخرة مجرد تفصيل رمزي لأن هذا النوع من الإنفاق لا يزيد الصادرات ولا يرفع الإنتاجية ولا يعالج البطالة المستقرة بل يضيف تكلفة سياسية واقتصادية على دولة تطلب من المواطن التقشف وتدفعه إلى تحمل آثار خفض الدعم.

 

كذلك انتقد نجيب ساويرس في فبراير 2025 توسع الدولة في المشروعات الكبرى وقال إن مصر تحتاج إلى إعادة نظر في هذه المشروعات لأنها تستهلك كثيرا من العملة الأجنبية وجاء هذا التصريح من رجل أعمال لا ينتمي إلى المعارضة التقليدية لكنه وصف الطموح الرئاسي بأنه مبالغ فيه اقتصاديا.

 

في المسار نفسه تكشف صفقات رأس الحكمة وعلم الروم عن اعتماد متزايد على بيع أو تطوير أصول وأراض ساحلية لجلب سيولة خارجية عاجلة إذ منحت هذه الصفقات الحكومة متنفسا ماليا مؤقتا لكنها لم تجب عن سؤال الإنتاج ولا عن كيفية منع تكرار الأزمة بعد إنفاق الأموال الجديدة.

 

هنا يوضح إسحاق ديوان أستاذ الاقتصاد السياسي وباحث التمويل والتنمية أن أزمات الديون في المنطقة لا تنفصل عن بنية السلطة وتوزيع المنافع لأن شبكات المصالح تستطيع توجيه التمويل العام نحو قطاعات محمية بينما يبقى القطاع المنتج الخاص أضعف من منافسة الامتيازات السياسية.

 

ومن ثم لا يعمل النموذج الحالي كخطة تنمية بقدر ما يعمل كآلية لإعادة توزيع الموارد نحو العقار والإنشاءات والجهات القريبة من السلطة لأن مصانع متعثرة وشركات منتجة وأسرا مثقلة بالأسعار تقف في الخلف بينما تتقدم الواجهات العمرانية باعتبارها إنجازا قابلا للتصوير لا عائدا قابلا للقياس.

 

وبسبب هذا الاختلال تتحول الدولة الأمنية إلى مستفيد أساسي من نموذج الإنفاق لأن السيطرة على الأرض والسكان والمقرات ومراكز القرار تسير بالتوازي مع بناء مدن جديدة بعيدا عن القاهرة التقليدية ولذلك يصبح المشروع العمراني جزءا من هندسة سياسية لا مجرد اختيار فني في التخطيط.

 

وأخيرا تكشف التجربة أن الاقتصاد لا ينهض بالإسمنت وحده لأن المدينة الجديدة لا تعوض مصنعاً مغلقاً والقصر الرئاسي لا يصنع صادرات والطريق السريع لا يحل أزمة الدين إذا غاب الإنتاج لذلك تبقى مصر أمام سؤال قاس عن قدرة نموذج القروض والعقارات والسيطرة على الاستمرار دون انفجار اجتماعي مؤجل.