حذرت غرفة صناعة الحرف اليدوية برئاسة المهندس محمد صقر، من تحديات تهدد صناعة تضم أكثر من 3 ملايين حرفي وتدور في سوق يقدر بنحو 24 مليار جنيه سنويا، بينما تواصل الحكومة إعلان استراتيجية للحرف اليدوية تستهدف صادرات بقيمة 600 مليون دولار بحلول 2030.
وتكشف هذه التحذيرات فجوة واسعة بين الخطاب الرسمي عن إحياء التراث وبين حياة صناع يعملون داخل ورش صغيرة تعاني نقص مستلزمات الإنتاج ورسوم الجمارك وصعوبة الترخيص وضعف التمويل والتسويق، لأن الحكومة تعرض الأهداف الكبيرة بينما تترك الحرفي أمام تكلفة أعلى وسوق أضيق وحماية أقل.
استراتيجية الصادرات تصطدم بغياب الدعم الفني والتدريب
أعلنت الحكومة استراتيجية وطنية للحرف اليدوية للفترة من 2025 إلى 2030، تستهدف زيادة الصادرات إلى نحو 600 مليون دولار وتطوير 15 تكتلا حرفيا، غير أن غرفة صناعة الحرف اليدوية قالت إن الواقع التنفيذي لا يقدم للصناع ما يكفي لتحويل هذه الأرقام إلى إنتاج وتسويق.
وبعد هذا الإعلان طالبت الغرفة بتقديم دعم فني حقيقي يرفع قدرات الحرفيين وينقل الخبرات بين الأجيال، لأن بقاء الحرفة لا يتحقق ببيان حكومي أو معرض مؤقت، بل يحتاج تدريبا مستمرا ومواد خام متاحة ومدربين يعرفون تطور التصميمات والأسواق.
ثم شددت الغرفة على ضرورة رفع مستوى الكوادر التدريبية عبر متابعة الصيحات والتصميمات العالمية، لأن المنتج الحرفي الذي يحمل الهوية المصرية يحتاج في الوقت نفسه إلى شكل يناسب أذواق المشترين في الداخل والخارج، وإلا بقي المنتج حبيس الورشة أو المعرض الموسمي.
وفي هذا المحور يخدم رأي الدكتورة عقيلة رفعت، استشاري الاستراتيجية والتنمية، فكرة التدريب وسلاسل الإمداد، إذ ربطت تطوير الصناعات اليدوية بتعزيز مهارات الحرفيين وضعف دخول الأجيال الجديدة إلى هذه الصناعات وضرورة تنمية التكتلات الحرفية والمناطق التي تشتهر بها.
لذلك لا يدعم رأي عقيلة رفعت مجرد تزيين التقرير باسم خبير، بل يشرح أين تنكسر الاستراتيجية قبل التصدير، لأن غياب التدريب واستدامة المهارات يضرب قدرة الورش على إنتاج منتج قابل للمنافسة ويحول هدف 600 مليون دولار إلى رقم معلن بلا قاعدة صناعية مستقرة.
مستلزمات الإنتاج والترخيص يطاردان الورش الصغيرة
حددت غرفة صناعة الحرف اليدوية قائمة واضحة من الإشكاليات التي تواجه الصناع، وعلى رأسها قلة توافر مستلزمات الإنتاج وزيادة الرسوم الجمركية وعدم تقنين أوضاع عدد كبير من الحرفيين وأصحاب الورش وصعوبة إجراءات الترخيص وقلة المدربين المؤهلين للحرف التراثية.
وبسبب هذه الإشكاليات يصبح صاحب الورشة محاصرا من جهتين، فالحكومة تطالبه بالاندماج في الاقتصاد الرسمي وتطوير المنتج والاشتراك في المعارض، لكنها لا تمنحه مسارا سهلا للترخيص ولا تمويلا ميسرا كافيا ولا خامات مستقرة ولا حماية من الرسوم التي ترفع التكلفة.
كما طالبت الغرفة بإقامة معرض دائم للحرف اليدوية وتعزيز قدرات أعضائها للحصول على التمويل، لأن المعارض المتقطعة لا تصنع سوقا مستقرة ولا تضمن دخلا متصلا للصانع، خاصة عندما يتحمل الحرفي تكلفة الإنتاج والتنقل والعرض دون قناة بيع ثابتة.
وفي هذا السياق يخدم رأي مسعد عمران، صانع السجاد والرئيس السابق لغرفة الحرف اليدوية، محور التسويق والعائد العادل، إذ قال إن التسويق من أكبر العقبات وأن العامل في صناعة السجاد لا يحصل إلا على نحو 20% من ثمن السجادة بينما يستحوذ التاجر على الباقي.
وهكذا يوضح عمران أن المشكلة لا تقف عند جمال المنتج أو مهارة الصانع، بل تمتد إلى هيكل سوق يضع الربح الأكبر في يد الوسيط، ولذلك لا يكفي أن تتحدث الحكومة عن التراث إذا كان الحرفي الذي يصنعه لا يحصل على نصيب عادل من قيمته النهائية.
3 ملايين حرفي بين تمويل محدود وسوق بلا منافذ كافية
يضم قطاع الحرف اليدوية في مصر أكثر من 3 ملايين حرفي، ويقدر حجم السوق الإجمالي بنحو 24 مليار جنيه سنويا، بينما بلغ التمويل الموجه لنشاط الحرف اليدوية والتراثية عبر جهاز تنمية المشروعات نحو 60 مليون جنيه في 2025 وفق البيانات المتاحة.
وعند مقارنة هذه الأرقام يتضح ضعف الفجوة التمويلية، لأن 60 مليون جنيه لا تبدو رقما قادرا على دعم قطاع واسع بهذا الحجم، خصوصا إذا كان مطلوبا من الحرفيين شراء خامات وتطوير تصميمات وتعبئة المنتجات والمشاركة في المعارض والنفاذ إلى الأسواق الخارجية.
كذلك اقترحت الغرفة توفير ورش ومجمعات صناعية صغيرة وتمويل ميسر لصغار المستثمرين، إضافة إلى تشبيك الورش الصغيرة بالمصانع المتوسطة والصغيرة عبر خريطة صناعية تحدد الميزة النسبية لكل قرية، وهو طرح يكشف غياب التنظيم العملي الذي يحتاجه القطاع.
وفي هذا الموضع يخدم رأي أحمد حامد، المصور وصانع الأفلام الوثائقية المتخصص في توثيق الحرف التراثية، محور التسويق والمنصات الحديثة، إذ أكد أن المبادرات الحكومية والمهرجانات والمعارض لا تكفي لإنقاذ الورش من الإغلاق دون آليات تسويق مؤسسية ومتعددة اللغات.
ومن ثم يدعم كلام أحمد حامد الفقرة السابقة مباشرة، لأن الورش والمجمعات والتمويل تحتاج قناة بيع لا تتوقف عند المعرض المحلي، كما يحتاج المنتج الحرفي منصة تعرف المشتري بتاريخ القطعة وصانعها وتفتح السوق خارج الدائرة الضيقة التي تحكمها المواسم والسياحة.
على هذا الأساس تظهر أزمة الحرف اليدوية كأزمة إدارة حكومية قبل أن تكون أزمة صناع، فالدولة تملك أرقاما عن 3 ملايين حرفي و24 مليار جنيه و600 مليون دولار مستهدفة، لكنها تترك الحرفي يواجه الترخيص والجمارك والتمويل والتسويق بأدوات ضعيفة وموسمية.
وفي النهاية لا يمكن إنقاذ الحرف اليدوية المصرية بخطاب رسمي عن الهوية ولا بصورة افتتاح معرض، لأن الورشة تحتاج خامة وسعرا عادلا وترخيصا بسيطا وتدريبا نافعا ومنفذا للبيع، ومن دون ذلك تصبح الاستراتيجية مجرد عنوان كبير فوق صناعة ينسحب منها الحرفيون بصمت.
وتؤكد تحذيرات الغرفة أن الحكومة مطالبة بمحاسبة نفسها قبل مطالبة الحرفيين بالمنافسة، لأن الصادرات لا ترتفع إذا تعطلت الورش، والهوية لا تصان إذا خسر الصانع دخله، والتراث لا يعيش إذا بقيت الحرفة محاصرة بين رسوم مرتفعة وتمويل محدود وسوق غير منظم.

