كشفت واقعة طالبة بني سويف صاحبة كيس الفول والرغيفين عن أزمة تتجاوز حدود مدرسة إهناسيا الثانوية بنات، بعدما تحولت الواقعة في مايو ٢٠٢٦ إلى ضجة عامة وطلب إحاطة برلماني يلاحق الحكومة ووزارة التعليم بأسئلة مباشرة عن كرامة الطلاب، ومعايير اختيار القيادات، ومصير مليارات التغذية المدرسية التي لا يظهر أثرها في المناطق الأكثر احتياجا.
وقد أثارت الواقعة حالة من الاستياء، بعدما تم تداول تفاصيل تخص طالبة بالمرحلة الثانوية من قرية نزلة المشارقة، اعتادت إحضار وجبة بسيطة من منزلها بسبب ظروفها المعيشية، عبارة عن «رغيفين عيش وكيس فول»، لتغطية احتياجاتها خلال اليوم الدراسى.
وكان وكيل وزارة التربية والتعليم بمحافظة بنى سويف خلال جولة تفقدية داخل المدرسة، قد لاحظ وجود الطعام داخل درج الطالبة، وطلب منها إخراجه أمام زميلاتها. ووفقًا لما تم تداوله، تم توجيه بعض التعليقات التى اعتبرها البعض «ساخرة»، خاصة فيما يتعلق بطريقة تناول الطعام خلال الفسحة، ما تسبب فى شعور الطالبة بالإحراج أمام زميلاتها.
وتطورت واقعة «رغيفين عيش وكيس فول» ببنى سويف بعد صدور قرار بتحريز الطعام وإحالة المشرف الاجتماعى للتحقيق، وهو ما زاد من حدة الجدل، خاصة مع تأكيد شهود أن الطالبة عادت إلى منزلها فى حالة نفسية سيئة، ورفضت الذهاب إلى المدرسة فى اليوم التالى.
وأشعلت الواقعة موجة غضب كبيرة بين أولياء الأمور ورواد السوشيال ميديا، حيث اعتبر كثيرون أن ما حدث يمثل انتهاكًا لكرامة الطالبة، مطالبين بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين عن الواقعة.
من واقعة مدرسية إلى طلب إحاطة
وامتدت حالة الغضب إلى البرلمان حيث تقدم النائب أحمد بلال البرلسي عضو بمجلس النواب بطلب الإحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التربية والتعليم قال فيه إن الواقعة لا يصح التعامل معها باعتبارها تصرفا فرديا عابرا، لأن طالبة تذهب إلى مدرستها برغيفين وكيس فول لا تستحق الإحراج، بينما تستحق الحكومة المساءلة عن برنامج تغذية مدرسية تعلن له مخصصات ضخمة ولا تمنع الطلاب من حمل طعامهم البسيط إلى الفصول وسط ظروف اقتصادية قاسية.
لفت طلب الإحاطة الموجه إلى رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم إلى أن الحكومة تعلن تخصيص نحو ٧ مليارات جنيه سنويا للتغذية المدرسية، وتعلن توفير قرابة ٦٦٠ مليون وجبة يستفيد منها نحو ١٩.٥ مليون طالب، وهو ما جعل الواقعة اختبارا مباشرا للفجوة بين الأرقام الرسمية وبين ما يراه أولياء الأمور داخل المدارس.
وفي ظل تصاعد الغضب، طالب النائب بإعادة تقييم منظومة التغذية المدرسية من حيث الجودة والتغطية والاستمرارية، خصوصا في المناطق الأكثر احتياجا، لأن غياب الوجبة المنتظمة أو ضعفها يحول الدعم المعلن إلى رقم في البيانات، بينما تظل الأسر الفقيرة مسؤولة وحدها عن إطعام أبنائها أثناء اليوم الدراسي.
ويبين التحرك البرلماني أن القضية انتقلت من سؤال عن سلوك مسؤول تعليمي إلى سؤال أوسع عن الرقابة على المال العام، لأن وجود مخصصات بمليارات الجنيهات يفترض أن يقابله أثر واضح داخل المدارس، لا أن يتحول طعام طالبة إلى عنوان للحرج الاجتماعي ثم إلى دليل على خلل إداري في منظومة يفترض أنها تحمي الفقراء.
كرامة الطلاب ومعايير اختيار القيادات
أكد الخبير التربوي مجدي حمزة أن ما صدر في الواقعة لا يصح تربويا أو نفسيا أو تعليميا، لأن المدرسة ليست مكانا لإحراج الطالب بسبب طعامه أو ظروف أسرته، ويرى أن الاعتذار إذا حدث يجب أن يكون واضحا وبنفس قوة الخطأ، لأن الضرر النفسي لا يعالج بصورة شكلية بعد انتشار الواقعة.كما يرى هذا التقييم أن السلوك التربوي داخل المدارس لا ينفصل عن طريقة اختيار القيادات التعليمية، لأن المسؤول الذي يدخل مدرسة يجب أن يمتلك حساسية تربوية قبل السلطة الإدارية، وعندما يغيب هذا الشرط تتحول الجولات التفقدية من أداة متابعة إلى مصدر ضغط على الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور.
وفي موازاة ذلك، أثار النائب في سؤاله البرلماني تساؤلات بشأن آليات اختيار القيادات التعليمية، في ضوء ما تم تداوله عن المسار الوظيفي للمسؤول محل الواقعة، ومدى خضوع هذه الاختيارات لمعايير دقيقة تضمن الكفاءة والانضباط واحترام البيئة المدرسية، لا الاكتفاء بقرارات إدارية لا تراجع أثرها.
ويؤكد الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث في قراءاته المتكررة لأزمات التعليم أن المنظومة المصرية تعاني من مركزية وقهر وضعف في الثقة بين الطالب والمؤسسة، وهذا المعنى يفسر الغضب من واقعة بني سويف، لأن الناس لم تر فيها خطأ لفظيا فقط، بل رأت نمطا يضغط على الطالب الأضعف داخل مؤسسة يفترض أنها تحميه.
وأشار طلب الإحاطة إلى ضرورة إعلان مدى صحة الواقعة ونتائج التحقيقات الجارية بشأنها، والإجراءات المتخذة تجاه المسؤول المعني، وخطط ضمان الالتزام بالسلوك التربوي داخل المدارس، لأن الاكتفاء بالمصالحة أو الزيارة اللاحقة لا يغلق الملف، بل قد يفتح سؤالا أكبر عن غياب قواعد المحاسبة العلنية.
التغذية المدرسية بين الأرقام والواقع
الدكتور حسن شحاتة أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة عين شمس يرى أن الوجبات المدرسية ليست رفاهية، لأنها تساعد الطلاب في المناطق المحرومة على الانتظام الصحي والتعليمي، ولذلك فإن أي خلل في وصولها إلى مستحقيها يضرب هدفا اجتماعيا قبل أن يكون خللا إداريا في بند إنفاق حكومي.
وفي ظل هذا المعنى، تبدو واقعة الطالبة رقية في بني سويف كاشفة لا منشئة للأزمة، لأن الأسرة التي ترسل ابنتها بطعام محدود لا تفعل ذلك اختيارا للحرج، بل نتيجة احتياج يومي لا يغطيه الدعم المدرسي بصورة كافية، وهنا يصبح السؤال عن الوجبة المدرسية سؤالا عن العدالة داخل التعليم.
كما أكدت الضجة البرلمانية أن الحكومة مطالبة بتقديم كشف واضح عن خريطة توزيع الوجبات، وعدد المدارس المستفيدة فعليا، ومعايير اختيار المناطق، ومدى انتظام التوريد خلال العام الدراسي، لأن الأرقام الكبيرة لا تكفي ما لم تثبت الوزارة أن الطالب الفقير يحصل على وجبة آمنة ومناسبة في الوقت الصحيح.
ويبين هذا المسار أن الأزمة لا تتعلق بكيس فول ورغيفين فقط، بل بطريقة إدارة ملف حساس يمس ملايين الطلاب، فإذا كانت الحكومة تتحدث عن ١٩.٥ مليون طالب مستفيد، فإن أي واقعة تكشف غياب الأثر داخل مدرسة في محافظة فقيرة تصبح مؤشرا يستدعي مراجعة العقود والرقابة والجودة وسلاسل التوزيع.
نتيجة سياسية واجتماعية لا يمكن دفنها
أكدت الواقعة أن الفقر داخل المدارس لم يعد ملفا يمكن إخفاؤه خلف بيانات الإنفاق، لأن الطالب يدخل الفصل حاملا ظروف بيته معه، وإذا لم تمتلك الإدارة المدرسية وعيا تربويا يحميه فإن المؤسسة التعليمية تتحول من مساحة أمان إلى مساحة كشف وإحراج، وهذا ما جعل الغضب العام يتجاوز بني سويف.
وفي موازاة الاعتذار أو محاولات احتواء الأزمة، بقيت الأسئلة البرلمانية قائمة أمام الحكومة، لأن القضية صارت مرتبطة بالتحقيق، والمحاسبة، وتقييم القيادات، وتطوير التغذية المدرسية، وضمان السلوك التربوي، وهذه الملفات لا تحسم بصورة أو زيارة، بل بقرارات معلنة ورقابة مستمرة وبيانات تفصيلية قابلة للمراجعة.
وأخيرا تبقى الخلاصة أن طالبة بني سويف لم تضع الحكومة أمام قصة طعام بسيط، بل وضعتها أمام امتحان كرامة وعدالة وإنفاق عام، فإذا لم يتحول طلب الإحاطة إلى محاسبة حقيقية ومراجعة لمنظومة التغذية واختيار القيادات، فستبقى الواقعة دليلا جديدا على أن الفقير يدفع ثمن الخلل والفشل الحكومي مرتين، مرة من جيبه ومرة من كرامته.

