كشفت جريمة المعصرة في حلوان عن محاولة قتل بشعة تعرضت لها شهد أحمد، 21 عاما، بعدما ترصد لها خطيبها السابق عقب عودتها من العمل، وسدد لها نحو 27 طعنة في جسدها، ثم غرس سكينا في جمجمتها، قبل أن تنقل إلى قصر العيني في حالة حرجة.

 

وتضع الواقعة السلطة أمام مسؤولية مباشرة لا تغطيها بيانات الضبط اللاحق، لأن نيرة أشرف وميرنا جميل وفتاة بنها سبقن شهد في المسار نفسه، رجل يرفض قرار امرأة بالابتعاد، ثم يتحول الرفض إلى طعن علني، بينما تصل الدولة غالبا بعد الدم لا قبله.

 

جريمة المعصرة تبدأ من الترصد لا من غرفة العمليات

 

في البداية كشفت تفاصيل الواقعة أن المتهم لم يهاجم شهد أحمد في لحظة عابرة، بل ترصد لها عقب عودتها من عملها، وهذا الفعل ينقل الجريمة من خلاف شخصي إلى محاولة قتل مكتملة العناصر، لأن المتهم اختار المكان والوقت والسلاح ثم ترك الضحية بين الحياة والموت.

 

بعد ذلك وصلت شهد إلى مستشفى قصر العيني وهي تحمل إصابات نافذة وسكينا مغروسا في الجمجمة، فواجه الأطباء حالة دقيقة تتعلق بأعصاب الوجه والأنسجة والعضلات، بينما كان الخطر الأكبر أن يؤدي استخراج السلاح إلى تلف دائم أو نزيف قاتل أو فقدان وظائف حساسة.

 

ثم دخل فريق طبي متعدد التخصصات غرفة العمليات، وشارك أطباء المخ والأعصاب والوجه والفكين والرمد والأنف والأذن والتجميل والتخدير والتمريض في جراحة طويلة، واستمر التدخل 17 ساعة وفق التفاصيل المتداولة، حتى نجح الأطباء في استخراج السكين والحفاظ على العصب السابع.

 

لهذا السبب لا يجوز تحويل القصة إلى إنجاز طبي فقط، لأن إنقاذ شهد جاء بعد فشل الحماية قبل الجريمة، فالجراحة نجحت في إزالة السكين من الجمجمة، لكنها لا تجيب عن سؤال أهم، من يوقف الخطيب السابق قبل أن يحمل السلاح ويترصد لامرأة رفضت الاستمرار معه.

 

وفي هذا المحور تقدم نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، قراءة ضرورية لمسار التحريض السابق للجريمة، لأنها حذرت في يناير 2026 من صفحات تحرض على العنف ضد النساء، وربطت بين خطاب الكراهية وشعور الجناة بالإفلات من العقاب داخل المجال العام.

 

من نيرة أشرف إلى ميرنا جميل يتكرر العقاب على الرفض

 

قبل شهد أحمد بنحو 4 أعوام، قتلت نيرة أشرف أمام جامعة المنصورة في يونيو 2022 بعد رفضها الارتباط بالمتهم، وقد تحولت الجريمة إلى علامة دامغة في ذاكرة المصريين، لأنها وقعت في الشارع وأظهرت أن الرفض الشخصي قد يتحول إلى قرار قتل علني.

 

وعلى الرغم من أن واقعة نيرة تسبق نطاق السنوات الـ3 الأخيرة، فإن استدعاءها ضروري داخل هذا الملف، لأن جرائم الخصوص وبنها والمعصرة أعادت النمط ذاته، رفض الارتباط أو إنهاء العلاقة، ثم ترصد، ثم طعن بسلاح أبيض، ثم صدمة عامة لا تغير قواعد الحماية.

 

وفي فبراير 2026 شهدت الخصوص مقتل ميرنا جميل بعد رفضها الارتباط بشاب، ونقلت تقارير أن أسرتها تلقت تهديدات قبل الجريمة، وهذا التفصيل يضرب جوهر الخطاب الرسمي، لأن وجود تهديد سابق يعني أن الخطر كان مرئيا، لكن آليات المنع لم تمنع الجريمة.

 

وبعد ذلك كانت بنها قد شهدت في مارس 2025 محاولة قتل مشابهة داخل محل ملابس، حين اقتحم خطيب سابق مكان عمل فتاة واعتدى عليها بسكين بعد رفضها العودة إليه، وأنقذ تدخل الأهالي الضحية، بينما أثبتت الواقعة أن مكان العمل لا يحمي النساء من المطاردة.

 

ومن هنا تخدم نجوى إبراهيم، المديرة التنفيذية لمؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، هذا المحور بالأرقام لا بالشعارات، لأن تقرير إدراك عن 2024 وثق 1195 جريمة عنف ضد النساء والفتيات في مصر، بينها 363 جريمة قتل و100 جريمة شروع في قتل.

 

كما أظهر التقرير أن الطعن جاء بين أكثر أدوات القتل حضورا، بما يجعل السكين في جريمة المعصرة امتدادا رقميا لا استثناء عاطفيا، فالدولة لا تواجه قصة فردية، بل تواجه نمطا متكررا يتغذى على تهديد سابق وحماية ضعيفة وتدخل متأخر بعد سقوط الضحية.

 

القبض بعد الجريمة لا يعوض غياب قانون حماية فعلي

 

على الجانب الأمني نجحت الأجهزة في القبض على المتهم في واقعة المعصرة، لكن هذا الإجراء لا يكفي وحده، لأن الضبط بعد الطعن لا يردع من يهدد قبل الجريمة، ولا يمنح الضحية طريقا واضحا للحصول على حماية عاجلة عندما يتحول الخلاف إلى مطاردة.

 

لذلك تكشف الوقائع المتشابهة أن الأزمة لا تتوقف عند نصوص العقوبات، بل تمتد إلى غياب مسار سريع للتعامل مع بلاغات التهديد والملاحقة والابتزاز، فالفتيات لا يحتجن تعاطفا بعد الطعن، بل يحتجن إجراء حماية قبل أن يقرر الجاني تنفيذ تهديده في الشارع.

 

وفي هذا السياق تقدم عزة سليمان، المحامية والمدافعة الحقوقية ومؤسسة مركز المساعدة القانونية للمرأة المصرية، وظيفة تحريرية واضحة داخل الملف، لأنها تربط حماية النساء بقانون موحد لمناهضة العنف، وبمسار قانوني يقدم الدعم والحماية قبل الوصول إلى جثة أو غرفة عمليات.

 

وبناء على ذلك تصبح مسؤولية الحكومة أشد من مجرد إعلان القبض على المتهمين، لأن تكرار جرائم نيرة وميرنا وبنها وشهد يثبت أن الدولة لم تحول الصدمة إلى سياسة، ولم تبن منظومة تمنع التهديدات السابقة من التحول إلى سكاكين في أجساد النساء.

 

كذلك يوضح تقرير مركز تدوين عن قتل النساء في عامي 2023 و2024 أن جرائم القتل والانتحار ضد النساء والفتيات ليست وقائع متناثرة، بل ظاهرة قابلة للرصد، وهذا الرصد يضع الحكومة أمام واجب توفير بيانات رسمية وحماية مؤسسية بدل ترك المجتمع للغضب المؤقت.

 

وفي الخاتمة لا تمثل نجاة شهد أحمد نهاية القصة، بل تمثل دليلا على حجم الفشل السابق للطعنة الأولى، لأن فتاة خرجت من عملها فعادت إلى قصر العيني بسكين في الجمجمة، بينما بقي السؤال معلقا، كم بلاغا وتهديدا يجب أن يسبق الجريمة حتى تتحرك الدولة قبل الدم.

 

لذلك يجب أن تتحول جريمة المعصرة إلى ملف مساءلة لا موجة تعاطف قصيرة، يبدأ من تجريم التحريض والمطاردة والتهديد بوضوح، ويمر بسرعة أوامر الحماية، وينتهي بقانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء، لأن السكين القادمة لن تنتظر بيانا جديدا بعد وقوع الجريمة.