بعد تصريح كامل الوزير، لم تعد أزمة المونوريل محصورة في شكل القطار أو حداثة المحطات، لأن الوزير نفسه قدم الرقم الحاسم للرأي العام، 40 جنيهًا من المستثمرين إلى الحي الحكومي، وهو رقم يضع المشروع خارج قدرة الاستخدام اليومي لقطاعات واسعة من الموظفين والطلاب وأصحاب الدخول المحدودة.

 

في المقابل، تقول الحكومة إن المونوريل جزء من منظومة نقل جماعي حديثة، لكن النقل الجماعي لا يكتسب معناه من ارتفاعه فوق الأرض أو من واجهة المحطات، بل من قدرته على خدمة الكتلة الأكبر من الركاب بسعر يومي محتمل ومسار قريب من أماكن السكن والعمل والدراسة.

 

لذلك، جاءت محطات المرحلة الأولى لتفضح وظيفة المشروع أكثر من أي خطاب رسمي، لأن المسار يربط المشير طنطاوي ووان ناينتي والمستشفى الجوي والنرجس والمستثمرين واللوتس وجولدن سكوير وبيت الوطن ومسجد الفتاح العليم والحي الحكومي ومدينة العدالة، وهي خريطة لا تشبه خريطة ازدحام المصريين اليومية.

 

ومن هنا، يخدم رأي جودة عبد الخالق هذا المحور بوضوح، لأنه وصف العاصمة الإدارية سابقًا بأنها إهدار للمال العام، وهذا الموقف يجعل المونوريل امتدادًا لمشروع عمراني باهظ لا أداة إنقاذ للنقل الشعبي، خصوصًا عندما يتحول خطه إلى طريق رسمي نحو مكاتب الحكومة الجديدة.

 

بناء على ذلك، يصبح سؤال الاستخدام أهم من صور التشغيل، لأن الحكومة تستطيع إعلان بدء الخدمة في موعد محدد، لكنها لا تستطيع إخفاء أن الطريق من المستثمرين إلى الحي الحكومي ليس طريق عامل في إمبابة أو طالب في شبرا أو موظف في بولاق أو مريض يبحث عن وسيلة رخيصة.

 

تذكرة المونوريل تكشف انحياز السعر ضد الأغلبية

 

ثم تظهر أسعار التذاكر كدليل مباشر على طبيعة المشروع، إذ تبدأ من 20 جنيهًا حتى 5 محطات، وتصل إلى 40 جنيهًا حتى 10 محطات، ثم 55 جنيهًا حتى 15 محطة، و80 جنيهًا لأكثر من 15 محطة، وهي شرائح تضع الرحلة اليومية داخل عبء مالي واضح.

 

وعلى هذا الأساس، لا تبدو رحلة كامل الوزير تفصيلة دعائية عابرة، بل تبدو اعترافًا غير مباشر بأن الوزير يستطيع دفع 40 جنيهًا في انتقال واحد، بينما يحتاج المواطن العادي إلى حساب الذهاب والعودة ووسيلة الوصول إلى المحطة ووسيلة الخروج منها قبل أن يقرر استخدام المشروع.

 

كذلك، تتصادم هذه الأسعار مع واقع اقتصادي ضاغط، لأن المصريين واجهوا خلال السنوات الأخيرة زيادات متلاحقة في الوقود والكهرباء والمياه والاتصالات والسلع، ولذلك لا يمكن فصل تذكرة المونوريل عن سياسة أوسع تنقل كلفة كل قرار إلى المواطن ثم تطلب منه التصفيق للخدمة الجديدة.

 

وفي هذا السياق، يدعم ممدوح الولي هذا المحور حين يربط الأزمة الاقتصادية بالعجز والدين وتآكل قدرة الأسر على تحمل أعباء إضافية، لأن النقل ليس بندًا اختياريًا في حياة الناس، بل تكلفة يومية تضرب الدخل مباشرة إذا ارتفعت دون بديل رخيص ومنتظم.

 

لذلك، يصبح حديث الحكومة عن التطوير ناقصًا إذا تجاهل قدرة الركاب على الدفع، لأن المشروع الذي لا يستطيع الجمهور الواسع استخدامه بانتظام لا ينجح بمجرد تشغيله، بل يتحول إلى واجهة مكلفة تخدم فئات محدودة وتترك أزمة النقل الحقيقي في الشوارع القديمة كما هي.

 

مليارات المونوريل ذهبت إلى خريطة رفاهية لا خريطة احتياج

 

في السياق نفسه، تشير بيانات المشروع إلى أن تكلفة خطي مونوريل العاصمة الإدارية و6 أكتوبر بلغت نحو 4.5 مليار دولار، وهو رقم يفرض مقارنة قاسية بين إنفاق ضخم على مسارات المدن الجديدة وبين احتياجات النقل الشعبي في المحافظات والأحياء القديمة التي تعاني الزحام وانهيار الخدمة.

 

إضافة إلى ذلك، لا يمكن عزل المونوريل عن مشروع العاصمة الإدارية الذي ابتلع موارد ضخمة وفرض على الدولة نقل مكاتبها وموظفيها إلى شرق القاهرة، لأن القطار هنا لا يخدم فراغًا، بل يخدم مدينة جديدة بنتها السلطة ثم بنت لها وسيلة انتقال مرتفعة التكلفة.

 

ومن هذه الزاوية، يخدم عبد الخالق فاروق قبل اعتقاله هذا المحور بوضوح، لأنه انتقد رواية أن العاصمة الإدارية لا تمس المال العام، واعتبرها رواية مضللة بسبب استخدام موارد هيئات وصناديق وأراض عامة، وهذا النقد يشرح كيف تتحول المشروعات البراقة إلى عبء مؤجل على المجتمع.

 

كذلك، تكشف خريطة المونوريل أن الحكومة اختارت أولوية سياسية قبل أولوية اجتماعية، لأن المسار يخدم القاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية والحي الحكومي والمال والأعمال، بينما كانت الأولوية الشعبية تفرض تطوير النقل الرخيص داخل المناطق الأعلى كثافة والأكثر احتياجًا والأقل قدرة على دفع تذاكر يومية مرتفعة.

 

وبالتالي، لا تكفي عبارة أن المشروع يخدم الشعب إذا كانت محطاته وأسعاره وموقعه تخدم فئات أضيق، لأن خدمة الشعب تبدأ من احتياجه لا من الصورة الرسمية، وتبدأ من خفض تكلفة الانتقال لا من إنشاء قطار باهظ يمر فوق مناطق لا يعيش فيها أغلب المصريين.

 

ختامًا، يكشف تصريح كامل الوزير عن دفع 40 جنيهًا في المونوريل حقيقة المشروع أكثر مما تكشفها بيانات الوزارة، لأن الرحلة بدأت من المستثمرين وانتهت عند الحي الحكومي، بينما بقي المواطن العادي خارج الحساب، وحين تنفق الحكومة المليارات على مسار للأغنياء والإدارة الجديدة فهي لا تطور النقل بل تعلن انحيازها.