كشفت بيانات موسم توريد القمح المحلي في مايو 2026 عن قفزة حصة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بنحو 370%، بعدما استقبل الجهاز نحو 188 ألف طن مقابل حوالي 40 ألف طن في الفترة نفسها من الموسم السابق، فانتقل ملف القمح من إدارة تموينية تقليدية إلى مركز نفوذ اقتصادي يقترب من رغيف الخبز.
تضع هذه القفزة حكومة السيسي أمام سؤال لا يخص الزراعة وحدها، لأن القمح سلعة تمس الخبز والدعم والأمن الغذائي اليومي، وحين تترك الدولة جهة واحدة تتمدد في الإنتاج والتخزين والاستيراد والتوريد والتصدير، فإنها لا تحمي السوق بل تنقل مفاتيح الغذاء إلى دائرة مغلقة ضعيفة الرقابة العامة.
قفزة 370% تنقل القمح من موسم توريد إلى ملف سيطرة
بعد انطلاق موسم التوريد في منتصف أبريل، أظهرت البيانات أن جهاز مستقبل مصر استحوذ على أكثر من 12% من إجمالي الكميات المستلمة حتى الآن، بعدما بلغت توريدات القمح المحلي نحو 1.54 مليون طن، مقارنة بنحو 1.315 مليون طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
في المقابل، لا تبدو زيادة توريد الجهاز رقمًا زراعيًا معزولًا، لأن الحكومة تستهدف استلام 5 ملايين طن هذا الموسم مقابل 4 ملايين طن في الموسم الماضي، وخصصت نحو 69.1 مليار جنيه لسداد مستحقات المزارعين بسعر 2500 جنيه للأردب، ما يجعل التوريد ملفًا ماليًا ضخمًا.
لذلك، تكشف حصة مستقبل مصر أن الجهاز لم يعد مجرد مشروع زراعي داخل شرق العوينات والضبعة، بل أصبح فاعلًا مباشرًا في سلسلة الإمداد الخاصة بمحصول استراتيجي، بداية من الزراعة والاستلام وحتى التخزين والبيع للجهات الحكومية التي تدير الخبز والدعم.
وهنا تخدم د. سالي صلاح هذا المحور بوضوح، لأنها تناولت ملف الأمن الغذائي المصري من زاوية الخلل الاستراتيجي بين القمح والأرز، وطرحت تساؤلات حول انتقال إدارة السلع إلى جهاز مستقبل مصر، بما يجعل القفزة الحالية دليلًا على إعادة تشكيل السوق لا مجرد توسع إنتاجي.
بناء على ذلك، يصبح الحديث الرسمي عن زيادة الرقعة الزراعية ناقصًا إذا لم يشرح للرأي العام قواعد المنافسة والبيع والتسعير والرقابة، لأن زيادة الإنتاج لا تبرر وحدها تركيز صلاحيات القمح داخل جهاز واحد، خصوصًا عندما يرتبط الملف برغيف يعتمد عليه عشرات الملايين من المصريين.
من هيئة السلع إلى مستقبل مصر.. رغيف الخبز يدخل دائرة مغلقة
ثم توسع دور جهاز مستقبل مصر منذ 2024 بعد انتقال صلاحيات استيراد القمح والمنتجات الغذائية رسميًا من الهيئة العامة للسلع التموينية إلى الجهاز، بحسب تقارير صحفية استندت إلى خطاب رسمي، وهو انتقال مس جوهر منظومة اعتادت العمل عبر مناقصات وخبرات تراكمية طويلة في سوق الحبوب.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن فصل توريد 188 ألف طن محليًا عن دور الجهاز في الاستيراد، لأن الجهة التي تستلم القمح من الداخل وتشتري من الخارج وتدخل منظومة التخزين تصبح قادرة على التأثير في الكميات والأسعار والتوقيت، بينما تتراجع قدرة السوق والجهات التقليدية على المراجعة والموازنة.
كذلك، أعلنت تقارير دولية أن جهاز مستقبل مصر أصبح مشتري الحبوب الحكومي، وتعاقد في سبتمبر 2025 على أكثر من 600 ألف طن قمح من دول البحر الأسود وفرنسا، إلى جانب شحنات زيوت نباتية، دون الإفصاح الكامل عن تفاصيل الموردين أو الأسعار أو مواعيد الشحن.
وفي هذا السياق، تخدم د. عالية المهدي هذا المحور من زاوية الاقتصاد المؤسسي، لأنها شددت في تصريحات اقتصادية سابقة على أهمية توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة وآليات تداول منضبطة، وهي وظيفة تحريرية تكشف أن المركزية بلا شفافية قد تضرب السعر بدل أن تحمي المستهلك.
من ثم، يصبح تحويل القمح إلى ملف تديره جهة واحدة خطرًا مباشرًا على قواعد السوق، لأن هيئة السلع التموينية كانت تعمل داخل نمط معلن نسبيًا من المناقصات، بينما يثير الانتقال إلى جهاز أقل شفافية أسئلة عن التسعير والعمولات والرقابة البرلمانية وكيفية حماية المال العام.
الأرز والتصدير وتوسع الصلاحيات يكشفان دولة تحتكر الغذاء
في المرحلة التالية، امتد دور جهاز مستقبل مصر إلى ملفات أخرى مثل تنظيم بعض عمليات التصدير، ومنها الأرز عبر موافقات مسبقة، وهو توسع يوضح أن القضية لا تخص القمح وحده، بل تخص فلسفة حكومية تنقل السلع الاستراتيجية من سوق متعدد الأطراف إلى مركز إداري واحد.
إضافة إلى ذلك، يطرح هذا التوسع سؤالًا اجتماعيًا مباشرًا، لأن الدولة التي تمسك بالاستيراد والتخزين والتوريد والتصدير تستطيع ضبط السوق نظريًا، لكنها تستطيع أيضًا إخفاء كلفة القرار عن المواطنين، بينما يدفع الناس ثمن أي اضطراب في الخبز والزيت والأرز داخل الفاتورة اليومية.
ومن هذه الزاوية، يخدم د. مراد علي هذا المحور بقوة، لأنه تساءل عن الأرباح المحتملة التي قد يحققها الجيش من عمليات شراء السلع بمئات المليارات، وعن خضوع عمليات الشراء والبيع لأي نوع من الرقابة، وهي أسئلة تضرب صلب احتكار الغذاء داخل كيانات سيادية.
بالتوازي، لا يلغي إعلان الحكومة هدف الاكتفاء الذاتي من قمح الخبز المدعوم بحلول 2028 خطورة تركيز الصلاحيات، لأن الاكتفاء الذاتي هدف زراعي مهم، لكن تحقيقه عبر جهاز مغلق لا يكفي إذا غابت الشفافية عن الكلفة والعقود والتوريد والبيع للهيئات العامة.
لذلك، تبدو حجة الأمن الغذائي سلاحًا مزدوجًا في يد الحكومة، لأنها تستخدمها لتبرير المركزية والتوسع في الصلاحيات، بينما الأمن الغذائي الحقيقي يحتاج رقابة ومنافسة ومعلومات منشورة ومحاسبة واضحة، لا جهازًا يتحول تدريجيًا إلى بوابة إجبارية بين الفلاح والمستورد والمخزن ورغيف المواطن.
ختامًا، تكشف قفزة توريد القمح لجهاز مستقبل مصر أن حكومة السيسي لا تعيد فقط تنظيم سوق السلع الاستراتيجية، بل تعيد توزيع السيطرة على غذاء المصريين داخل بنية أقل شفافية وأكثر تركيزًا، وحين يصبح القمح والأرز والزيت والتخزين والاستيراد في قبضة مركز واحد، فإن رغيف الخبز يتحول من حق اجتماعي إلى ورقة نفوذ.

