تشهد الساحة الدولية واحدة من أخطر مراحلها منذ نهاية الحرب الباردة، مع اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وسط مخاوف متزايدة من تحول الصراع الحالي في الشرق الأوسط إلى مواجهة دولية مفتوحة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والقوة في العالم بأسره.

 

فالحرب التي بدأت تحت عناوين تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، والردع العسكري، وأمن إسرائيل، تجاوزت حدود الاشتباك التقليدي، لتتحول إلى أزمة دولية مركبة تمس الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، والتحالفات الدولية، ومستقبل النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.

 

ومع دخول قوى إقليمية ودولية على خط الأزمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عاد السؤال الذي ظل لعقود حبيس التحليلات الأكاديمية إلى الواجهة مجدداً: هل يقف العالم بالفعل على أعتاب حرب عالمية ثالثة، أم أن الحديث عن ذلك لا يزال في إطار المبالغة السياسية والإعلامية؟

 

حرب تتجاوز حدود الشرق الأوسط

 

يرى مراقبون أن المواجهة الحالية لم تعد مجرد صراع بين واشنطن وطهران، بل تحولت إلى معركة تتداخل فيها الحسابات الجيوسياسية الكبرى، بدءاً من أمن الخليج ومضيق هرمز، وصولاً إلى مستقبل التوازنات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.

 

وتشير تقديرات سياسية واستراتيجية إلى أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً، خصوصاً مع احتمالات توسع دائرة الاشتباك لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى، سواء عبر استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة أو تعطيل خطوط الملاحة والطاقة العالمية.

 

وتحذر أستاذة التاريخ الدولي بجامعة أكسفورد، مارغريت ماكميلان، من أن الحروب الكبرى غالباً لا تبدأ بخطط محكمة، بل نتيجة أخطاء في التقدير وسوء فهم بين الأطراف المتصارعة، مشيرة إلى أن التاريخ يعيد نفسه بصورة مقلقة.

 

وتستحضر ماكميلان تجربة الحرب العالمية الأولى، التي اندلعت عقب اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند عام 1914، قبل أن تتدحرج الأحداث سريعاً عبر شبكة التحالفات الأوروبية نحو حرب شاملة أودت بحياة الملايين.

 

وتقول إن أخطر ما في النزاعات الحالية هو إمكانية خروجها عن السيطرة بفعل ردود الأفعال المتبادلة، خاصة في ظل وجود قوى كبرى تمتلك أسلحة نووية وقدرات عسكرية هائلة.

 

هل توافرت شروط الحرب العالمية؟

 

يعرّف أستاذ التاريخ الدولي في كلية كينغز بلندن، جو مايولو، الحرب العالمية بأنها صراع تشارك فيه جميع القوى الكبرى بصورة مباشرة، وهو ما حدث خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

 

لكن مايولو يرى أن الصراع الحالي، رغم خطورته، لا يزال في إطاره الإقليمي حتى الآن، مشيراً إلى أن الصين وروسيا لا تبدوان راغبتين في الانخراط العسكري المباشر.

 

ويرى أن بكين تحديداً تتعامل مع الحرب من منظور استراتيجي مختلف، إذ تعتبر انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فرصة لإضعاف النفوذ الأمريكي عالمياً دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة.

 

وفي المقابل، يحذر آخرون من أن استمرار الحرب واستنزاف القوى الإقليمية قد يدفع أطرافاً دولية إلى التدخل لحماية مصالحها الحيوية، سواء في الطاقة أو التجارة أو الأمن الدولي.

 

ويزداد هذا الخطر مع احتمالات إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، الأمر الذي قد يشعل أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة.

 

إيران بين الصمود والانفجار الإقليمي

 

يرى الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، أن الحرب الحالية لم تكن خياراً إيرانياً بقدر ما فُرضت على طهران في إطار مشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

 

ويشير نافعة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تراهنان على أن الضربات العسكرية الأولى ستؤدي إلى إضعاف النظام الإيراني أو تفكيكه من الداخل، إلا أن هذا السيناريو لم يتحقق حتى الآن، في ظل استمرار تماسك مؤسسات الدولة الإيرانية وقدرتها على الرد.

 

ويؤكد أن أخطر ما قد تشهده المرحلة المقبلة هو انتقال الحرب إلى مرحلة “هدم المعبد على من فيه”، في حال شعرت إيران بأن وجودها مهدد بصورة مباشرة.

 

وفي هذا السيناريو، قد تلجأ طهران إلى توسيع دائرة الحرب عبر استهداف منشآت النفط والممرات البحرية والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، ما قد يؤدي إلى فوضى إقليمية واسعة النطاق.

 

كما يحذر نافعة من أن انجرار دول الخليج أو قوى إقليمية أخرى إلى المواجهة سيحول الصراع من حرب إقليمية إلى أزمة دولية مفتوحة يصعب احتواؤها.

 

صراع على النظام العالمي الجديد

 

لا تتعلق الحرب الحالية فقط بإيران وبرنامجها النووي، بل ترتبط أيضاً بالصراع الدائر حول شكل النظام الدولي المقبل.

 

فمع تصاعد النفوذ الصيني وعودة روسيا لاعباً رئيسياً على الساحة الدولية، تبدو الولايات المتحدة أكثر تمسكاً بإعادة فرض هيمنتها العالمية، سواء عبر القوة العسكرية أو التحكم في مسارات الطاقة والتجارة.

 

ويرى محللون أن أحد الأبعاد الخفية للصراع يتمثل في محاولة واشنطن تأمين مشروع “الممر الهندي” كمنافس لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، بما يضمن استمرار السيطرة الغربية على طرق التجارة العالمية.

 

وفي المقابل، تستفيد الصين وروسيا من الحرب في استنزاف النفوذ الأمريكي، وتقديم نفسيهما كقوتين تدعوان إلى التعددية الدولية ورفض الهيمنة الأحادية.

 

وتشير تقارير دولية إلى أن بكين استغلت الاضطرابات في أسواق الطاقة لتوسيع نفوذها في مجالات التكنولوجيا النظيفة والمعادن النادرة وسلاسل التوريد العالمية، ما يمنحها أوراق قوة استراتيجية على المدى البعيد.

 

التحالفات الغربية أمام اختبار غير مسبوق

 

كشفت الحرب الإيرانية أيضاً عن تصدعات متزايدة داخل التحالفات التقليدية للولايات المتحدة، خصوصاً في أوروبا.

 

ففي الوقت الذي اتخذت فيه واشنطن قرارات عسكرية منفردة، بدأت عواصم أوروبية تبحث عن ترتيبات أمنية ودفاعية مستقلة، بعيداً عن الهيمنة الأمريكية الكاملة.

 

وتنامت المخاوف الأوروبية من أن تتحول المظلة الأمنية الأمريكية إلى عبء استراتيجي، خاصة مع تزايد القلق من القرارات الأحادية للإدارة الأمريكية، سواء في الملفات العسكرية أو الاقتصادية.

 

كما دفعت الحرب عدداً من الدول الصناعية الكبرى إلى تسريع خطط التحول نحو الطاقة المتجددة والطاقة النووية، بهدف تقليل الاعتماد على النفط القادم من مناطق النزاع.

 

ويرى مراقبون أن هذه التحولات قد تؤدي مستقبلاً إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات الدولية، في ظل تراجع الثقة العالمية بالقيادة الأمريكية التقليدية.

 

الأمم المتحدة والنظام الدولي في دائرة العجز

 

أعادت الحرب الحالية طرح تساؤلات حادة حول مستقبل الأمم المتحدة والقانون الدولي، بعدما بدا مجلس الأمن عاجزاً عن وقف التصعيد أو فرض حلول ملزمة على الأطراف المتصارعة.

 

ويؤكد خبراء أن النظام الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية يمر بأزمة وجودية حقيقية، في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، واستخدام حق النقض “الفيتو” لتعطيل أي تحركات جماعية فعالة.

 

ويرى حسن نافعة أن العالم يعيش بالفعل مرحلة انتقالية يتفكك فيها النظام الدولي القديم، دون أن تتبلور بعد ملامح النظام الجديد.

 

ويضيف أن استمرار الحروب والصراعات المفتوحة قد يدفع العالم نحو حالة من “السيولة الدولية”، حيث تصبح القوة العسكرية هي الأداة الرئيسية لإدارة العلاقات بين الدول، على حساب القانون والمؤسسات الدولية.

 

شبح الحرب النووية يعود مجدداً

 

رغم أن كثيراً من الخبراء يستبعدون اندلاع حرب عالمية شاملة في الوقت الراهن، فإن الجميع تقريباً يتفقون على أن العالم بات يعيش أخطر لحظاته منذ عقود.

 

ويحذر محللون من أن أي خطأ في الحسابات، أو توسع غير محسوب للصراع، قد يدفع القوى الكبرى إلى مواجهة مباشرة، خصوصاً في ظل وجود ترسانات نووية هائلة.

 

وتؤكد مارغريت ماكميلان أن التاريخ يثبت أن القادة غالباً ما يواصلون الحروب بدافع الكبرياء أو رفض الاعتراف بالفشل، حتى عندما تصبح كلفة الاستمرار كارثية.

 

وتشير إلى أن أخطر ما في النزاعات الكبرى هو أنها تبدأ أحياناً بأهداف محدودة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى صراعات شاملة يصعب وقفها.

 

هل ما زالت الدبلوماسية قادرة على الإنقاذ؟

 

رغم قتامة المشهد، لا تزال الدبلوماسية تمثل الأمل الوحيد لتجنب الانفجار الكبير.

 

ويشدد خبراء العلاقات الدولية على أهمية فتح قنوات التواصل بين الأطراف المتصارعة، والعمل على صياغة تفاهمات جديدة تشمل الأمن الإقليمي، ورفع العقوبات، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني.

 

كما يرى مراقبون أن القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، قد تجد نفسها مضطرة للتدخل سياسياً لمنع انزلاق العالم إلى مواجهة شاملة تهدد الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي.

 

وفي ظل تعقيدات المشهد الحالي، تبدو المنطقة والعالم أمام مفترق طرق تاريخي: إما احتواء التصعيد عبر تسويات سياسية ودبلوماسية، أو الانزلاق نحو مرحلة أكثر خطورة قد تعيد البشرية إلى أجواء الحروب الكبرى والصراعات المفتوحة.