كشفت زيارة قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي إلى أبوظبي في أمس الخميس عن وجود مفرزة مقاتلات مصرية متمركزة في الإمارات، بعدما تفقد السيسي ومحمد بن زايد هذه المفرزة تحت عنوان الجاهزية والقدرات العملياتية، من دون إعلان مصري واضح يشرح طبيعة المهمة أو مدة الوجود أو التفويض الدستوري.

 

تضع الواقعة المصريين أمام سؤال سياسي ودستوري مباشر، لأن جيش مصر ليس ملفًا سريًا في يد السلطة التنفيذية، ولا يجوز أن يعرف المواطنون وجود قواتهم خارج الحدود بالمصادفة من صور زيارة رسمية، بينما تغيب البيانات التفصيلية عن البرلمان والشعب في لحظة إقليمية ملتهبة.

 

تمركز عسكري خارج الحدود بلا بيان يجيب عن السؤال الأول

 

بدأت القصة عندما ظهر السيسي ومحمد بن زايد خلال تفقد مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة في الإمارات، وقالت الروايات الرسمية إن الزيارة جاءت للاطلاع على الجاهزية وتعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات، وهي صياغة واسعة لا تجيب عن طبيعة المهمة بصورة محددة.

 

بعد ذلك، انتقل السؤال من مستوى الخبر العسكري إلى مستوى الحق العام، لأن وجود مقاتلات وقوات مصرية خارج الحدود يحتاج شرحًا رسميًا واضحًا، سواء كان الوجود تدريبًا مشتركًا أو تمركزًا دفاعيًا أو مشاركة ضمن ترتيبات إقليمية مرتبطة بتوترات الخليج وإيران.

 

ثم طرح حزب تكنوقراط مصر السؤال الأكثر مباشرة حين قال إن المادة 152 من الدستور تجعل إرسال القوات المسلحة خارج الحدود مسألة سيادة ودستور ورقابة شعبية، وسأل لماذا لم تعلن الدولة طبيعة المهمة أمام الشعب والبرلمان إذا كانت مجرد تدريبات أو رفع جاهزية مشتركة.

 

بهذا المعنى، خدم موقف حزب تكنوقراط مصر محور الشفافية الدستورية، لأنه نقل النقاش من صورة السيسي وسط الطائرات إلى حق المصريين في معرفة سبب وجود جنودهم ومقاتلاتهم خارج البلاد، وبأي تفويض صدر القرار، وتحت أي سقف سياسي وعسكري يعمل هؤلاء الجنود.

 

كذلك لم يقدّم الخطاب الرسمي المصري تفصيلا يزيل الالتباس، لأن العبارة الإماراتية عن الجاهزية والقدرات العملياتية لا تكفي وحدها لتحديد ما إذا كانت المفرزة في مهمة تدريبية عابرة أو في تموضع مرتبط بأمن الإمارات وسط تصعيد إقليمي أوسع.

 

المادة 152 تحاصر الصمت الرسمي وتكشف إهانة البرلمان

 

تنص المادة 152 من الدستور المصري على أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء.

 

وبسبب هذا النص، لا يصبح السؤال عن القوات المصرية في الإمارات رفاهية سياسية أو خصومة إعلامية، بل يصبح سؤالًا عن حدود سلطة الرئيس نفسه، لأن الدستور جعل قرار إرسال القوات للخارج مرتبطًا برقابة مؤسسية لا ببيان مقتضب أو صورة في قاعدة عسكرية.

 

ومن هنا جاء تعليق د. مراد علي ليخدم محور الشرعية السياسية، إذ قال إن مصر لم تعد تدار بمنطق الدولة الحديثة التي تحتكم إلى الدستور والقانون، بل بنمط تحتكر فيه فئة تمتلك السلاح القرار والثروة وتضع نفسها فوق المجتمع وفوق المساءلة.

 

وفي تغريدة أخرى، قدم مراد علي قراءة محددة للهدف المحتمل من إرسال الطائرات المصرية، فرأى أن الرسالة تبدو دعمًا سياسيًا ومعنويًا واصطفافًا مع مواقف أبوظبي أكثر من كونها دعمًا عسكريًا حاسمًا، لأن الإمارات تمتلك قوة جوية متطورة وقواعد لقوات غربية.

 

لذلك تبدو المشكلة أكبر من قدرة البرلمان على الرفض أو الموافقة، لأن مراد علي أشار إلى أن البرلمان الحالي لا يملك عمليًا رفض أي طلب للحكومة، ومع ذلك تجاهلت السلطة حتى الشكل الدستوري الذي كانت أنظمة دكتاتورية سابقة تحرص عليه أمام الرأي العام.

 

وعلى هذا الأساس، يكشف الصمت الرسمي عن إهانة مزدوجة، إهانة للمواطن الذي لا يعرف لماذا تحركت قوات بلده خارج الحدود، وإهانة للبرلمان الذي تحوله السلطة إلى واجهة قابلة للاستدعاء حين تشاء، ثم تتجاوزه حين يصبح السؤال محرجًا.

 

غزة تكشف المفارقة والإمارات تفتح سؤال عقيدة الجيش

 

في المقابل، فتحت الناشطة الحقوقية عايدة سيف الدولة زاوية أكثر حدة عندما قارنت بين رفض تدخل مصر لنصرة أهل غزة تحت ذريعة أن الناس لا تريد الحرب، وبين ظهور قوات وطائرات مصرية في الإمارات، وسألت عن المهمة الحقيقية لهذه القوات وسط اصطفافات إقليمية مشبوهة.

 

وبهذه المقارنة، خدمت عايدة سيف الدولة محور المفارقة الأخلاقية والسياسية، لأن السؤال لم يعد لماذا توجد قوات مصرية في الإمارات فقط، بل لماذا يتحول الجيش إلى أداة حضور خارجية بينما يغيب الموقف الفعلي تجاه كارثة غزة القريبة من الحدود المصرية.

 

ثم أضاف الإعلامي عماد البحيري زاوية التصعيد الإقليمي، إذ ربط زيارة السيسي المفاجئة للإمارات ووصول قوات مصرية من طائرات رافال ومنظومة أمون بتطورات متسارعة في الخليج وانفجارات في إيران وروايات متضاربة من طهران حول ما جرى في بندر عباس.

 

هكذا تصبح الواقعة جزءًا من مشهد إقليمي خطر لا يجوز إدارته بالتكتم، لأن تمركز مقاتلات مصرية في الخليج خلال توتر إيراني خليجي يفرض على السلطة المصرية شرح الحدود السياسية والعسكرية للمهمة، بدل ترك المصريين أمام التخمينات والتسريبات والتغريدات.

 

كما لخّص الصحفي أحمد رجب جوهر الفضيحة في عبارة قصيرة حين قال إن المثير أن المصريين عرفوا بالصدفة أن الجيش المصري له وجود في الإمارات، وهي جملة تكشف عمق الخلل بين الدولة والمجتمع، لأن جيش المواطنين لا يجب أن يظهر لهم كخبر جانبي في زيارة رسمية.

 

لذلك لا تنتهي القصة عند مفرزة مقاتلات أو صورة بروتوكولية، بل تمتد إلى سؤال العقيدة العسكرية نفسها، فهل يبقى الجيش المصري مخصصًا لحماية حدود الوطن ومصالح المصريين المباشرة، أم يتحول إلى ورقة في ترتيبات إقليمية لا يعرف الشعب عنها شيئًا.

 

وفي النهاية، لا تستطيع السلطة أن تطلب من المصريين الصمت باسم الأمن القومي ثم تخفي عنهم أين توجد قواتهم وماذا تفعل، لأن الأمن القومي لا يعني إلغاء الدستور ولا تهميش البرلمان ولا تحويل الجيش إلى ملف مغلق، بل يعني أن يعرف الشعب حدود القرار حين يتعلق الأمر بدماء جنوده واسم بلده.