كشفت زيارة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلى أبوظبي، وظهوره مع محمد بن زايد داخل مفرزة مقاتلات مصرية متمركزة في الإمارات، عن وجود عسكري مصري معلن خارج الحدود، بينما قال مصدر مطلع إن قوات ومعدات مصرية تنتشر في 4 دول خليجية، لتتحول اللقطة الرسمية إلى سؤال سياسي ودستوري عن مهمة الجيش خارج البلاد وغياب التفويض العلني.
وتضع الواقعة القاهرة أمام اختبار مكشوف، لأن السلطة التي ترفع شعار حماية الأمن القومي لم تعرض على المصريين حدود المهمة ولا طبيعتها ولا كلفتها ولا سندها الدستوري، كما أن ربط الوجود العسكري بالحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية يجعل كل طيار وجندي مصري داخل معادلة إقليمية شديدة الخطورة من دون رقابة شعبية معلنة.
إعلان متأخر يفضح الغموض حول مهمة القوات المصرية
أعاد السفير فوزي العشماوي تفكيك المشهد من زاوية دبلوماسية حادة، إذ وصف ظهور السيسي ومحمد بن زايد أمام مفرزة مقاتلات مصرية في الإمارات بأنه مفاجئ وصادم، لأن الإعلان جاء بعد انتقادات خليجية اتهمت القاهرة بالتقاعس عن الدفاع عن الخليج، لا بعد بيان مصري يشرح للناس قرار إرسال قواتهم.
وبحسب قراءة العشماوي، فإن الإعلان المتأخر بدا كأنه محاولة لإسكات تلك الأصوات الخليجية وتأكيد شعار مسافة السكة، لكنه فتح في الوقت نفسه سؤالا أشد خطورة، هل كسرت القاهرة عقيدتها المعلنة التي تجنب الجيش التورط في صراعات خارجية، خصوصا بعد فشل دعوات القوة العربية المشتركة.
كما يربط العشماوي بين هذا الإعلان وبين تساؤلات أوسع عن حجم الانتشار المصري، لأن مصادر خليجية وإعلاميين ألمحوا إلى وجود مصري آخر لا يمكن الخوض في تفاصيله، ثم جاء حديث مصدر مطلع عن قوات ومعدات مصرية في 4 دول خليجية ليجعل السؤال أكبر من الإمارات وأبعد من لقطة عسكرية عابرة.
في هذا الموضع، يخدم رأي الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، محور الأمن الإقليمي، لأنه طالما ربط أزمات النظام العربي بغياب آلية جماعية شفافة لإدارة المخاطر، وهذه القراءة تجعل إرسال قوات مصرية إلى الخليج خارج إطار معلن خطوة تزيد الالتباس ولا تصنع أمنا عربيا حقيقيا.
لذلك لا تقف القضية عند مبدأ دعم الخليج، بل تمتد إلى طبيعة المهمة نفسها، هل جاءت المفرزة للتدريب أم للدفاع أم للقتال، لأن كل وصف يغير مستوى المخاطرة السياسية والقانونية، وكل غياب للمعلومة الرسمية يحول المصريين إلى متلقين لصورة عسكرية بلا حق في معرفة القرار.
المادة 152 وسؤال الرقابة الغائبة على قرار الحرب
طرح العشماوي السؤال الجوهري حول استيفاء المتطلبات الدستورية لوجود قوات مصرية خارج البلاد، مستندا إلى المادة 152 التي تشترط التشاور مع مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عند إرسال قوات في مهمة قتالية خارج الحدود، وهو سؤال تضغط الحكومة على تجاهله بالصمت لا بالإجابة.
ومن هنا تتضح وظيفة رأي الدكتور محمد نور فرحات، أستاذ فلسفة القانون بجامعة الزقازيق، لأن خبرته الدستورية تجعل القضية مرتبطة بفصل السلطات لا بالمزايدة السياسية، فالدولة التي ترسل قواتها خارج الحدود تحتاج إلى قرار مؤسسي معلن، لا إلى مشهد بروتوكولي يسبق البرلمان والرأي العام.
وتزداد خطورة المسألة لأن السلطة لم تعلن حتى الآن إن كانت المهمة قتالية أم دفاعية أم تدريبية، كما لم تقدم نص قرار أو محضر تشاور أو تصويت برلماني، وبذلك يصبح الغموض نفسه دليلا ضد الحكومة، لأن المسائل العسكرية الكبرى لا تدار بالإيحاء حين يتعلق الأمر بحياة جنود مصريين.
كذلك وسع العشماوي نطاق السؤال إلى توقيت الزيارة، إذ ربطها بانسحاب الإمارات من أوبك وتأثيره على علاقاتها بالسعودية، وبقصف ميناء الفجيرة ونفي إيران مسؤوليتها، وباتصال سعودي إيراني على مستوى وزيري الخارجية، وهي وقائع تجعل تمركز المفرزة داخل ساحة خلافات خليجية لا داخل تعاون دفاعي بسيط.
ثم أضاف العشماوي إلى خريطة التوقيت تأجيل ترمب المفاجئ لمبادرة مشروع الحرية، والتقارير التي عزت ذلك إلى رفض سعودي للمشاركة، وقصف مطار الخرطوم واتهام السودان للإمارات وإثيوبيا، والتقارير عن إمداد إسرائيل للإمارات بأنظمة دفاع جوي وأسلحة ضمن الاتفاقات الإبراهيمية والتطبيع الدافئ.
وعند هذه النقطة، يخدم رأي الدكتور عمرو حمزاوي، أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي، محور الرقابة والمؤسسات، لأن كتاباته عن تآكل الضمانات الدستورية في مصر تمنح خلفية واضحة لفهم كيف تتحول القرارات السيادية إلى صلاحيات مغلقة حين يضعف البرلمان وتغيب المساءلة.
انحياز مكلف للإمارات ومخاطر فتح باب الحرب
يرى العشماوي أن بعض الأطراف اعتبرت الزيارة والمشاركة انحيازا مصريا واضحا ومشروعا للإمارات، عرفانا بدعمها المتكرر للاقتصاد المصري، بينما تخوف آخرون من مغبة هذا الانحياز ومخاطره، وهنا تظهر قسوة المعادلة، لأن الحكومة تبدو مستعدة لمبادلة الدعم المالي بموقع عسكري يضع الجيش تحت ضغط صراعات أبوظبي.
وبعد ذلك مباشرة، أشار العشماوي إلى تعرض إيران لهجمات جوية قالت إن إحدى دول المنطقة شاركت فيها وتوعدت بالرد عليها، وهذا التفصيل لا يسمح بالتعامل مع المفرزة كزيارة مجاملة، لأن وجود قوات مصرية داخل دولة مهددة برد إيراني يحول الغموض إلى خطر مباشر على المصريين الموجودين هناك.
كما لفت العشماوي إلى أن توقيت الزيارة جاء بالتزامن مع توقعات إيجابية بقرب اتفاق بين أميركا وإيران لإنهاء الحرب وفتح المضيق ومعالجة الملف النووي، فاعتبر بعضهم الخطوة ذكية تحصد مزايا المشاركة وتتجنب التورط، بينما طرح آخرون السؤال الأشد، ماذا يحدث إذا تجدد القتال وهل تدخل مصر حالة حرب مع إيران.
وفي السياق ذاته، ربط العشماوي المفرزة بالمواقف الرسمية المصرية المتكررة المتضامنة مع الخليج وبالإدانات القوية للاعتداءات الإيرانية، لكنه سجل فارقا مهما بين الخطاب الرسمي والمزاج الشعبي، إذ يركز كثيرون داخل مصر على إدانة العدوان الأميركي الإسرائيلي ويتفهمون حق إيران في الدفاع عن نفسها.
وعلى هذا الأساس، يصبح الفارق بين الدولة والمجتمع جزءا من الأزمة لا تفصيلا هامشيا، لأن المصريين الذين يرفضون القواعد الأجنبية في المنطقة تاريخيا يجدون جيشهم معلنا داخل الخليج في لحظة اشتباك مع إيران، بينما لا تقدم الحكومة رواية مقنعة تشرح حدود المهمة أو تضمن عدم الانزلاق.
وتقود الخلاصة إلى اتهام سياسي واضح، فالحكومة لم تفتح نقاشا دستوريا قبل الإعلان، ولم تنشر تفويضا برلمانيا بعده، ولم تحدد طبيعة المهمة بدقة، ثم تركت المصريين بين رواية رسمية تتحدث عن الجاهزية وروايات أخرى تتحدث عن 4 دول خليجية، وهذا وحده يكفي لاعتبار الملف أكبر من صورة رئاسية.
وتكشف مفرزة الإمارات أن السلطة لم تعد تكتفي بإدارة الداخل عبر الغموض، بل تنقل الغموض نفسه إلى قرارات الحرب والسلم، فإذا كان أمن الخليج جزءا من أمن مصر كما تقول الحكومة، فإن دماء الجنود المصريين جزء من حق المصريين في المعرفة، وأي قرار خارج الرقابة يحول الأمن القومي إلى ورقة تفاوض لا إلى سياسة دولة.

