أعلن محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني والملقب بالوزير المزور، خلال مؤتمر غرفة التجارة الأمريكية بعنوان مستقبل الاستثمار في التعليم بمصر أن ربط التعليم بالصناعة وغرس المهارات والحوكمة والانضباط المؤسسي يمثل مسارا لبناء اقتصاد قادر على المنافسة إقليميا ودوليا، بينما أعادت تصريحاته فتح ملف الفجوة بين خطاب الحكومة وواقع المدارس.
تضع هذه التصريحات الأسر المصرية أمام مفارقة قاسية، لأن الوزير يتحدث عن اقتصاد يولد داخل الفصول الدراسية بينما تدفع ملايين الأسر كلفة الدروس الخصوصية وتواجه مدارس مزدحمة ومعلمين مرهقين ومناهج متغيرة، فتتحول المنافسة العالمية في الخطاب الرسمي إلى عبء يومي على الطالب وولي الأمر.
شراكة القطاع الخاص لا تعالج أصل الأزمة
أكد الوزير أن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص لم تعد خيارا بل ضرورة، وربط ذلك بتطوير التعليم وسوق العمل، غير أن طرح الشراكة بهذا الشكل يثير مخاوف واسعة من تحويل التعليم إلى مساحة استثمارية إضافية قبل إصلاح المدرسة الحكومية التي يعتمد عليها أغلب المصريين.
وفي المقابل يرى الخبير التربوي كمال مغيث أن أزمة التعليم في مصر تبدأ من غياب الإرادة السياسية لبناء مدرسة عامة قوية، لذلك يخدم رأيه هذا المحور لأنه يضع خطاب الاستثمار أمام سؤال العدالة، فمن لا يستطيع دفع كلفة التعليم الخاص لا يجب أن يتحول إلى مواطن خارج سباق المهارات.
كما أن ربط التعليم بالصناعة يحتاج قبل أي شراكة إلى فصل قادر على التعليم ومعلم قادر على الشرح ومنهج مستقر، لأن القطاع الخاص لا يستطيع تعويض مدرسة فقدت قدرتها الأساسية، ولا يجوز أن تصبح الشراكة غطاء لتراجع الدولة عن واجبها الدستوري في تعليم عادل وجيد.
الفصول المزدحمة تكسر خطاب المهارات
قال الوزير إن مستقبل الاقتصاد المصري يبنى داخل الفصول الدراسية، لكن هذا الشعار يصطدم بواقع كثافة الفصول ونقص الموارد وضعف التدريب العملي، وهي مشكلات لا تسمح ببناء مهارات حقيقية ولا تترك مساحة كافية للتفاعل أو التجريب أو متابعة الطالب داخل المدرسة.
وبحسب تقارير دولية ومحلية، تحتاج المنظومة التعليمية إلى توسع كبير في الفصول والمعلمين والصيانة حتى تخفف الضغط على المدارس الحكومية، لذلك تبدو لغة الذكاء الاصطناعي والابتكار بعيدة عن طالب يجلس في فصل مزدحم ويعتمد بعد المدرسة على درس خصوصي لإنقاذ مستواه.
ويؤكد الدكتور حسن شحاتة أستاذ المناهج بجامعة عين شمس أن تطوير التعليم لا يبدأ من تغيير العناوين بل من تدريب المعلم وتحسين بيئة المدرسة وربط المنهج بقدرة الطالب على الفهم، ولذلك يدعم رأيه هذا المحور لأنه يضع جودة التعليم قبل شعارات المنافسة وسوق العمل.
لهذا تبدو فجوة التعليم وسوق العمل نتيجة طبيعية لا مفاجأة، فالطالب الذي يتعلم بالحفظ ويقيس نجاحه بالدرجات لا يخرج بسهولة إلى اقتصاد المعرفة، والمعلم الذي يعمل داخل ضغط إداري ومعيشي لا يستطيع وحده إنتاج جيل مبتكر بينما تتركه الحكومة في قلب الأزمة.
الدروس الخصوصية تكشف فشل الجاهزية المستقبلية
تحدث الوزير عن إعادة تشكيل منظومة التعليم بما يناسب متطلبات السوق الحديثة، لكن استمرار الدروس الخصوصية يكشف أن المدرسة لا تزال عاجزة عن أداء دورها الكامل، لأن ولي الأمر لا يلجأ إلى السناتر رفاهية بل يدفع من دخله لتعويض خلل يراه يوميا في التحصيل والمتابعة.
وفي هذا السياق، يشير الخبير التربوي رفعت فياض إلى أن الدروس الخصوصية أصبحت نظاما موازيا للتعليم الرسمي وليست مجرد مخالفة فردية، ولذلك يخدم رأيه هذا المحور لأنه يربط بين عجز المدرسة الحكومية واتساع سوق تعليمي غير عادل يفرز الطلاب حسب قدرة الأسرة على الدفع.
ثم إن الحديث عن الحوكمة والانضباط المؤسسي لا يكتمل من دون إعلان واضح لكلفة الإصلاح ومصادر تمويله وآلية قياس نتائجه، لأن الأسر سمعت كثيرا عن تطوير التعليم بينما بقيت أمام امتحانات مرتبكة وتعديلات متلاحقة وأسئلة عن جودة التعلم لا تجد جوابا مستقرا.
وتكشف تصريحات الوزير داخل غرفة التجارة الأمريكية أن الحكومة تخاطب المستثمرين بلغة الفرص، بينما يخاطب الواقع ملايين الأسر بلغة المصاريف والدروس والقلق على المستقبل، وهذا التناقض يجعل التعليم ملفا سياسيا واجتماعيا لا مجرد ملف اقتصادي قابل للتسويق في المؤتمرات.
وتبقى المشكلة الأساسية أن الحكومة تريد اقتصادا منافسا من داخل فصول لم تصلحها بما يكفي، وتريد مهارات حديثة من منظومة لم تحسم أزمة المعلم والكثافة والدروس الخصوصية، لذلك لا يحتاج التعليم إلى خطاب جديد بقدر ما يحتاج إلى مدرسة عامة قوية تحاسب الدولة قبل الطالب.

