أعلنت الحكومة المصرية في القاهرة خلال مايو 2026 دراسة بدء تطبيق الدعم النقدي بدل الدعم العيني اعتبارًا من يوليو المقبل مع بداية العام المالي 2026-2027، بينما خصصت الموازنة الجديدة 175.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية لأكثر من 60 مليون مواطن، فتدفع الخطة ملايين الأسر من سلعة مضمونة إلى مبلغ قابل للتآكل.
تكشف هذه الخطوة جوهر سياسة لا تريد حماية الفقير من السوق بل تريد دفعه إليه منفردًا، لأن بطاقة التموين كانت تمنح الأسرة حدًا أدنى من الغذاء مهما ارتفعت الأسعار، أما الدعم النقدي فيضع المواطن أمام تاجر وسعر يومي ومبلغ ثابت، ثم تطلب الحكومة من الجائع أن يسمي ذلك إصلاحًا.
الدعم النقدي يذيب قيمة التموين داخل سوق لا يرحم الفقراء
تطرح الحكومة التحول إلى الدعم النقدي تحت عنوان تحسين الاستهداف ورفع كفاءة الإنفاق، لكن هذا العنوان يخفي أثرًا مباشرًا على موائد الأسر الفقيرة، لأن المبلغ النقدي لا يشتري الكمية نفسها كل شهر، بينما كانت السلعة التموينية تربط حق المواطن بمنتج محدد لا برقم تفقده الأسعار معناه.
كما أن الأزمة لا تقف عند طريقة الصرف، لأن الحكومة اختارت لحظة غلاء ممتدة كي تنقل عبء الحماية من الدولة إلى المستهلك، ومع كل ارتفاع في الغذاء يصبح الدعم النقدي أقل قدرة على شراء الزيت والسكر والأرز، فيتحول الإصلاح المعلن إلى اقتطاع يومي من حصة الأسرة.
ويمنح طرح الصحفي الاقتصادي وائل جمال هذا المحور وظيفة واضحة، لأنه يربط بين العدالة الاجتماعية وطريقة توزيع الموارد العامة، ويكشف أن أي سياسة تقطع الخدمة أو السلعة عن الفقير ثم تمنحه مبلغًا محدودًا لا توسع العدالة، بل تنقل الخسارة من الخزانة العامة إلى جيوب الأضعف.
لذلك لا تبدو خطة الدعم النقدي خطوة فنية داخل وزارة التموين، بل تبدو قرارًا سياسيًا يمس معنى الحماية نفسه، لأن الدولة تستطيع تجميد المبلغ عند حد معين ثم تترك الأسعار تتحرك، بينما لا يستطيع المواطن تجميد جوعه أو تأجيل احتياج أطفاله إلى طعام منتظم.
التضخم يحول المبلغ النقدي إلى فتات قبل نهاية الشهر
بعد ذلك تظهر قوة التضخم بوصفها السارق الأول لقيمة الدعم النقدي، فقد سجل التضخم السنوي في المدن 14.9% خلال أبريل 2026، وارتفعت أسعار الطعام والمشروبات سنويًا، وهذا يعني أن أي مبلغ ثابت سيتعرض لتآكل مستمر حتى قبل أن يصل إلى نهاية الشهر داخل بيت الفقير.
وفي هذا المسار تصبح المقارنة بين الدعم العيني والدعم النقدي قاسية على الحكومة، لأن الدعم العيني كان يخلق عازلًا نسبيًا أمام صدمات الغذاء، أما النقد فيترك الأسرة تواجه السوق مباشرة، فإذا ارتفع السعر لا ترتفع قيمة المبلغ بنفس السرعة، وإذا تراجعت القدرة الشرائية لا تتحمل السلطة الفرق.
ويدعم الباحث الاقتصادي محمد جاد هذا المحور من زاوية تآكل القيمة الحقيقية للدعم، إذ أشار في كتاباته عن الغلاء إلى أن سياسة التقشف وزيادات الأجور الشكلية والتراجع التدريجي عن الدعم أدت إلى خفض ما يحصل عليه المواطن فعليًا، لا إلى توسيع الحماية كما تزعم الحكومة.
ومن هنا يصبح وعد الحكومة بالاختيار الحر خدعة مكشوفة، لأن الفقير لا يختار بين رفاهيات متعددة، بل يختار بين سلعة أساسية وأخرى أساسية أيضًا، وعندما تمنحه الدولة مبلغًا أقل من تكلفة احتياجاته فإنها لا تمنحه حرية، بل تجبره على ترتيب الجوع داخل البيت.
قواعد الاستبعاد تجعل الدعم النقدي عقوبة إدارية للمحتاجين
في المرحلة التالية تزداد خطورة التحول بسبب قواعد الاستبعاد وقواعد البيانات، لأن نقل الدعم إلى نقد يتطلب منظومة دقيقة تعرف من يستحق ومن لا يستحق، بينما خبرة برامج الحماية في مصر أظهرت أن الاستهداف قد يطرد فقراء حقيقيين بسبب خطأ ورقي أو بيان ناقص أو معيار جامد.
ثم يصبح الخبز قلب المعركة، لأن ملايين الأسر لا تتعامل مع الرغيف المدعوم كخدمة عابرة، بل كضمان يومي للحد الأدنى من الغذاء، وإذا تحول هذا الحق إلى مبلغ نقدي فلن يضمن أحد أن يظل المبلغ قادرًا على شراء الكمية نفسها بعد موجة غلاء واحدة.
وتقدم أستاذة الإحصاء هبة الليثي زاوية مهمة داخل هذا المحور، فقد قالت في سياقات سابقة إن برامج الدعم النقدي للفقراء مجرد مسكنات، كما أشارت إلى ضعف قواعد البيانات وقدرة الاستهداف، وهذا يضع التحول النقدي أمام سؤال عملي لا تستطيع الحكومة الهروب منه: من سيحمي المستبعد خطأ.
وبناء على ذلك لا يفتح الدعم النقدي بابًا للعدالة بل يفتح بابًا للفرز والعقاب، لأن المواطن قد يفقد سلعه وخبزه دفعة واحدة إذا قررت قاعدة بيانات أنه لا يستحق، بينما لا يملك الفقير رفاهية التقاضي أو الانتظار أو ملاحقة موظف يغير خانة في ملفه.
في النهاية يكشف تطبيق الدعم النقدي أن الحكومة لا تبحث عن حماية الفقراء بل عن وسيلة أسهل لتخفيض تكلفة بقائهم على قيد الحياة، لأن السلعة التموينية كانت تفرض على الدولة التزامًا عينيًا واضحًا، أما المبلغ النقدي فيمكن تجميده وتآكله واستبعاد صاحبه ثم بيع السرقة باسم الإصلاح.
ولذلك تبدو خطة يوليو 2026 لحظة جديدة في تفكيك ما تبقى من شبكة الأمان الاجتماعي، لأن الحكومة التي تركت الأسعار تفلت والديون تتمدد تريد الآن أن تسحب الرغيف والسلعة من يد الفقير، ثم تضع مكانهما رقمًا لا يصمد أمام الغلاء ولا يحاسب أحدًا عند سقوطه.

