يؤكد د. يوسف القرضاوي أن الإيمان في التصور الإسلامي ليس شعارًا يرفع، ولا معنى روحيًا معزولًا عن الحياة، بل هو أصل العقيدة وجوهر وجود المسلم، إذ يبدأ من التوحيد الخالص لله تعالى، فلا يبتغي المؤمن غير الله ربًا، ولا يتخذ غير الله وليًا، ولا يطلب غير الله حكمًا، وهذا هو المعنى العميق لشهادة أن لا إله إلا الله.

 

ويبين القرضاوي أن هذا التوحيد لا يكتمل إلا بالإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو عبد الله ورسوله، أرسله الله بالوحي والهدى، فبلغ الرسالة كاملة، ولم يخن ولم يكتم، ولم ينطق عن الهوى، كما قال الله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، ثم تمتد العقيدة إلى الإيمان بالآخرة والجزاء، حيث لا يكون الموت نهاية المطاف، بل يعقبه حساب عادل، توفى فيه كل نفس ما كسبت، كما قال سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}.

 

الإيمان أساس الحياة ومفتاح شخصية الأمة

 

ينطلق النص المنسوب إلى د. يوسف القرضاوي من تقرير حقيقة مركزية، وهي أن الإيمان في حياة المسلمين ليس أمرًا زائدًا أو قضية هامشية، وإنما هو سر البقاء ولب الرسالة ومصدر المعنى، فبغيره تفقد الحياة غايتها، وتفقد الأمة مبرر وجودها، لأن الإيمان هو المفتاح الذي يكشف حقيقة الشخصية الإسلامية ويحرك طاقاتها الكامنة.

 

ويستشهد القرضاوي بما رواه الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم، كما يخلق الثوب الخلق، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم”، ليقرر أن الإيمان يحتاج إلى تجديد دائم، وأن القلب إذا ترك دون رعاية ضعف نوره وخمد أثره، كما يبلى الثوب مع طول الاستعمال.

 

ومن هنا يرى القرضاوي أن الأمة لا تتحرك حقيقة إلا حين يخاطب فيها رصيد الإيمان الكامن في فطرتها، فقد جرب الناس نغمات كثيرة لتحريكها، من قومية واشتراكية وديمقراطية، لكنها لم تصنع نهضة حقيقية، بينما يوقظها النداء المرتبط بالقرآن والتكبير والجنة والشهادة، لأن هذا النداء يمس أعمق ما في وجدانها من عقيدة ويقين.

 

ويشبه القرضاوي الإيمان بزر التشغيل في السيارة أو الباخرة أو الطائرة، فمن خلال لمسة واحدة تتحرك الآلة وتنطلق، وكذلك الإيمان حين يستيقظ في النفوس يحرك كوامن الأمة، ويدفعها إلى البذل والتضحية والعمل، ويصنع بها بطولات تبدو في أعين الناس كأنها من روائع الأساطير.

 

تربية إيمانية تجدد القلب وتوقظ المسؤولية

 

يشدد د. يوسف القرضاوي على أن الإيمان الموجود في فطرة الأمة يشبه بذرة طيبة في أرض طيبة، وهذه البذرة لا تكفي وحدها ما لم تجد رعاية وسقيا وحماية، فهي تحتاج إلى تربية تنميها وتغذيها، كما تحتاج إلى وقاية من السموم الفكرية والسلوكية التي تفسدها أو تضعف أثرها في الفرد والمجتمع.

 

ولهذا يدعو القرضاوي إلى تربية إيمانية حقيقية تزرع في القلوب معاني الربانية الأصيلة، وفي مقدمتها الخشية من الله، والرجاء فيه، والأنس به، والحب له، والرضا عنه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والطاعة لأمره، والتسليم لحكمه وحكم رسوله، فالإيمان ليس مجرد معرفة ذهنية، بل هو حال قلبي يظهر أثره في الاختيار والسلوك والموقف.

 

ويستند النص إلى قول الله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، لبيان أن الإيمان الحق لا يكتمل إلا بالتحاكم إلى شرع الله ورسوله، وبالتسليم الداخلي الذي لا يضيق بحكم الله ولا يتحايل عليه.

 

كما يورد النص قول الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ليقرر أن علامة الإيمان ليست كثرة الادعاء، بل سرعة الاستجابة لله ورسوله، وأن الفلاح مرتبط بالطاعة الواعية لا بالانتساب الشكلي.

 

ويجمع الإيمان الذي يدعو إليه القرضاوي بين الخوف والرجاء، فلا يتحول إلى قنوط ولا إلى أمن كاذب، بل يبقى المؤمن بين معرفة رحمة الله والخوف من عقابه، كما قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وهذا التوازن هو الذي يصنع قلبًا حيًا لا يغتر ولا ييأس.

 

استحضار الآخرة طريق تزكية النفس

 

يرى د. يوسف القرضاوي أن من أهم عناصر التربية الإيمانية استحضار معاني الآخرة، لأن القلب إذا غفل عن المصير ضعف ومال إلى الشهوة والكسل، أما إذا تذكر الموت والحساب والجزاء استقام على الطريق، وأدرك أن الحياة الدنيا ليست موطن الخلود، بل مرحلة اختبار وعمل.

 

ويعدد النص مشاهد الآخرة التي ينبغي أن تحيا في وجدان المسلم، من الموت وسكرته، إلى القبر وضمته، ثم البعث ورهبته، والحشر وزحمته، والموقف وشدته، والحساب وسرعته، والكتاب وقراءته، والميزان وعدالته، والصراط ودقته، ثم الجنة ونعيمها، والنار ولهيبها.

 

وهذا الاستحضار ليس غرضه تخويف الإنسان تخويفًا يشله عن العمل، بل إيقاظه من الغفلة، وربطه بالمسؤولية، وتذكيره بأن كل صغيرة وكبيرة محفوظة، وأن الله لا يظلم أحدًا، وأن المؤمن مطالب بأن يعيش في الدنيا بعين مفتوحة على الآخرة، فيزن قوله وعمله وموقفه بميزان الحساب القادم.

 

ومن هنا تتحول العقيدة إلى قوة تزكية، فالإيمان بالآخرة يجعل المسلم أكثر صدقًا في العبادة، وأكثر أمانة في المعاملة، وأكثر مقاومة للظلم والفساد، لأنه يعلم أن وراء الدنيا محكمة إلهية لا تضيع فيها الحقوق، ولا تنفع فيها المظاهر، ولا ينجو فيها إلا من أتى الله بقلب سليم وعمل صالح.

 

التصوف الرباني المعتدل بين التقوى والإحسان

 

ينتقل د. يوسف القرضاوي بعد الحديث عن الإيمان والتربية إلى بيان الحاجة إلى لون من الصوفية الربانية الإيجابية المعتدلة، لا بوصفها طقوسًا شكلية أو عزلة عن الحياة، بل باعتبارها صدقًا مع الحق وخلقًا مع الخلق، وهي عنده امتداد لمعاني التقوى والإحسان التي جاء بها القرآن والسنة.

 

ويستشهد النص بقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، ليؤكد أن روح الدين الحق تقوم على أمرين متلازمين، هما التقوى لله والإحسان للناس، فلا قيمة لتدين يزعم القرب من الله ثم يسيء إلى الخلق، ولا معنى لأخلاق منفصلة عن مراقبة الله وخشيته.

 

وينقل القرضاوي عن ابن القيم في “مدارج السالكين” قول بعض المتقدمين من الصوفية إن التصوف هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف، ثم يذكر تعليق ابن القيم بأن الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين وكذلك التقوى، وهذا يضع التصوف المقبول في ميدان الأخلاق والسلوك لا في ميدان الادعاءات والمظاهر.

 

فالتصوف الذي يريده القرضاوي هو تصوف التربية والأخلاق القرآنية والنبوية، التصوف الذي يغذي الإيمان، ويرقق القلوب، ويحرك الدوافع، ويشحذ الإرادة، ويهذب النفس، ويقوي السلوك الخير في ضوء الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، لا تصوفًا يخاصم العلم أو يعطل العقل أو ينفصل عن الشريعة.

 

ويربط النص هذا المعنى بمهمة التزكية التي جاءت في الرسالة المحمدية، كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ}، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأت بتلاوة الآيات فقط، بل جاء أيضًا بتزكية النفوس وتطهيرها من أدران الشرك والكبر والهوى.

 

كما يربط القرضاوي التصوف الرباني بمقام الإحسان الوارد في حديث جبريل المشهور، حين عرف النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان بقوله: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، وهذا هو جوهر التربية الإيمانية، أن يعيش المسلم مراقبًا لربه في السر والعلن، حاضر القلب في عبادته وعمله وعلاقاته.

 

التصوف المرفوض بين السلبية والخرافة وتعطيل الشريعة

 

لا يكتفي د. يوسف القرضاوي ببيان التصوف المقبول، بل يحدد بوضوح صور التصوف المرفوض، حتى لا تختلط التزكية الشرعية بالانحرافات التي تلحق بالدين باسم الروحانية، فهو يرفض كل تصوف يتحول إلى سلبية وتعطيل للمسؤولية، كما في قول بعضهم دع الخلق للخالق واترك الملك للمالك، إذا أريد به ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

ويرفض كذلك التصوف الذي يلغي شخصية المريد أمام شيخه، ويصنع علاقة عمياء تقوم على إسقاط العقل والإرادة، كما في العبارات التي تجعل المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، أو تزعم أن من قال لشيخه لم لم يفلح، لأن التربية الإيمانية لا تقوم على إلغاء الإنسان، بل على تهذيبه وتعليمه وربطه بالوحي.

 

كما يرفض القرضاوي التفرقة بين الحقيقة والشريعة، لأن كل حقيقة تخالف الشريعة ليست من الدين، وكل باطن يهدم ظاهر الشرع هو انحراف لا تزكية، فالشريعة والحقيقة في الإسلام طريق واحد، ظاهره اتباع أمر الله، وباطنه إخلاص القلب لله، ولا يجوز اتخاذ دعوى الحقيقة بابًا لإسقاط الأحكام أو تبرير المخالفات.

 

ويرفض النص أيضًا التصوف الذي يتحول إلى كهانة وتجارة بالدين بين العوام، حيث تقاد الناس بالأساطير والمبالغات، وتروج بينهم التمائم والتعاويذ والأحجية، وتقدم لهم ثقافة منومة للعقول ومخدرة للعزائم، فهذا لون من الاستغلال الديني الذي يفسد العقيدة ويضعف الإرادة ويحول الدين إلى سوق للوهم.

 

ويحذر القرضاوي من التصوف الذي يرفض العلم وطلبه من أهله، ويعتمد على الذوق والوجدان دون دليل من الشرع، أو دون احتكام إلى كتاب محكم وسنة صحيحة، فهذا عنده تصوف شيطاني لا رحماني، لأنه يفتح الباب للأهواء والادعاءات، ويجعل الدين تابعًا للأمزجة بدل أن يكون محكومًا بالوحي.

 

وفي خلاصة موقفه، يرفض د. يوسف القرضاوي كل تصوف يكون مأوى للخرافات في الفكر، أو الشركيات في العقيدة، أو المبتدعات في العبادة، أو الانحرافات في الأخلاق، أو السلبيات في السلوك، أو الإهمال للحياة، لكنه يدعو في المقابل إلى التصوف السني الملتزم بالكتاب والسنة، الذي سماه العلامة أبو الحسن الندوي “ربانية لا رهبانية”.

 

خاتمة

 

يقدم النص المنسوب إلى د. يوسف القرضاوي رؤية دعوية متكاملة تجعل الإيمان أصل البناء كله، فهو توحيد لله، وتصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ويقين بالآخرة والجزاء، وتجديد دائم للقلب، وتربية على الخشية والرجاء والطاعة والتسليم، ثم تزكية تضبط النفس بالأخلاق والتقوى والإحسان.

 

وهذه الرؤية لا تفصل بين العقيدة والعمل، ولا بين الروح والشريعة، ولا بين العبادة والحياة، بل تجعل الإيمان قوة تحيي الفرد وتحرك الأمة، وتجعل التصوف المقبول تربية ربانية منضبطة بالوحي، بينما ترفض كل سلبية وخرافة وتعطيل للشريعة وتجارة بالدين، ليبقى الطريق الدعوي واضحًا: إيمان صحيح، وتزكية صادقة، وخلق مستقيم، وعمل نافع في ضوء الكتاب والسنة.