دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري، بعدما رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المقترح الإيراني الأخير الذي نُقل عبر الوساطة الباكستانية، الأمر الذي دفع طهران إلى رفع سقف التهديدات والتلويح باستهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، وسط تحركات عسكرية وإعلامية تعكس استعدادًا متزايدًا لاحتمال اندلاع مواجهة مفتوحة قد تمتد آثارها إلى الخليج والشرق الأوسط بأكمله.

 

وفي ظل انهيار أجواء التفاؤل الحذر التي رافقت جولات التفاوض الأخيرة، تحوّلت الصحف الإيرانية المقربة من دوائر صنع القرار إلى منصات تعبئة سياسية وعسكرية، مؤكدة أن القوات المسلحة الإيرانية دخلت مرحلة “الاستنفار القصوى”، وأن الرد على أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي سيكون “قاسيًا ومفاجئًا”.

 

طهران ترفع مستوى التهديد.. والقواعد الأمريكية في مرمى الصواريخ

 

الصحافة الإيرانية المحافظة قادت خلال الساعات الماضية حملة تصعيد واسعة ضد واشنطن، حيث تصدرت لغة الحرب والردع المشهد الإعلامي في طهران، بالتزامن مع تصريحات رسمية تؤكد أن إيران “لن تتراجع تحت الضغط”.

 

صحيفة “كيهان” المقربة من مراكز القرار الإيراني نشرت عنوانًا بارزًا تحدثت فيه عن جاهزية الصواريخ والطائرات المسيّرة التابعة للحرس الثوري لاستهداف السفن والقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والمنطقة، معتبرة أن أي مغامرة عسكرية أمريكية ستواجه برد مباشر وغير مسبوق.

 

أما صحيفة “رسالت” فذهبت أبعد من ذلك، مؤكدة أن القوات الأمريكية “لن تصمد” أمام ما وصفته بـ”الدفاع الهجومي الإيراني”، في إشارة إلى عقيدة الردع التي تعتمدها طهران في مياه الخليج ومضيق هرمز، كما لمّحت إلى إمكانية توسيع نطاق المواجهة إقليميًا عبر حلفاء إيران في المنطقة، خاصة في لبنان.

 

وفي المقابل، حاولت الصحف الحكومية الإيرانية تقديم خطاب أكثر توازنًا يجمع بين التمسك بالمفاوضات وإظهار القوة العسكرية، حيث شددت صحيفة “إيران” الرسمية على أن دخول طهران في أي مسار تفاوضي لا يعني الاستسلام أو الرضوخ، بل يمثل “مفاوضات قائمة على الندية والسيادة”.

 

وأكدت الصحيفة أن إيران نقلت ردها النهائي إلى واشنطن عبر الوسيط الباكستاني، معتبرة أن الكرة أصبحت الآن في ملعب البيت الأبيض، في وقت تسعى فيه القيادة الإيرانية لإظهار الجهوزية العسكرية الكاملة بالتوازي مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام الحلول السياسية.

 

مدن صاروخية تحت الأرض واستعدادات للحرب

 

وفي مؤشر على تصاعد الاستعدادات العسكرية، كشفت صحيفة “همشهري” الإيرانية تفاصيل موسعة عن ما وصفته بـ”منطقة الحرب الإيرانية”، مستعرضة قدرات بحرية وصاروخية تشمل زوارق هجومية سريعة وألغامًا بحرية ومدنًا صاروخية محصنة تحت الأرض.

 

كما تحدثت صحيفة “جام إي جام” التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية عن توجيهات جديدة صدرت من المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي تتعلق برفع مستوى الجاهزية والاستعداد لمواجهة واسعة مع “الأعداء”.

 

وأكدت تقارير الصحف الإيرانية أن القوات المسلحة الإيرانية باتت في حالة تأهب قصوى، وأن تنفيذ أي عمليات عسكرية ينتظر فقط صدور “الأوامر النهائية”.

 

ترامب يهاجم الرد الإيراني: “قطعة من القمامة”

 

وفي المقابل، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته تجاه إيران بشكل لافت، مؤكدًا أن الرد الإيراني الذي وصل عبر الوسيط الباكستاني “غير مقبول إطلاقًا”.

 

وقال ترامب في تصريحات إعلامية إن وقف إطلاق النار الحالي مع إيران “يبدو ضعيفًا بشكل لا يُصدق”، مهاجمًا المقترحات الإيرانية ووصفها بأنها “قطعة من القمامة”، مضيفًا أنه لم يُكمل حتى قراءة الرد الإيراني بسبب ما اعتبره “تراجعًا متكررًا” من جانب طهران عن التفاهمات السابقة.

 

ورغم ذلك، أشار ترامب إلى أن الحل الدبلوماسي “لا يزال محتملًا جدًا”، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن واشنطن لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي تحت أي ظرف.

 

واتهم ترامب القيادة الإيرانية بتغيير مواقفها خلال جولات التفاوض، قائلًا إن الإيرانيين “يوافقون ثم يتراجعون لاحقًا”، مضيفًا أن الوثيقة التي أُرسلت إلى واشنطن لم تتضمن بعض البنود التي تم الاتفاق عليها شفهيًا خلال المحادثات.

 

كما كرر الرئيس الأمريكي دفاعه عن قراره السابق بالانسحاب من الاتفاق النووي الموقع في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، زاعمًا أن إيران كانت ستمتلك السلاح النووي “منذ سنوات” لو بقي الاتفاق قائمًا.

 

“مشروع الحرية” يعود إلى الواجهة

 

وفي تطور ميداني بالغ الأهمية، كشف ترامب أنه يدرس إعادة إطلاق عملية “مشروع الحرية” الهادفة إلى حماية الملاحة التجارية في مضيق هرمز، مؤكدًا أن العملية قد تتحول هذه المرة إلى جزء من تحرك عسكري أوسع.

 

وأوضح ترامب في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” أن الولايات المتحدة ستواصل العمل على إبقاء المضيق مفتوحًا أمام ناقلات النفط والسفن التجارية، بالتزامن مع استمرار التفاوض مع إيران.

 

وقال إن توسيع العملية العسكرية “خيار مطروح”، مضيفًا بلهجة حادة: “سيستسلمون”.

 

وتأتي هذه التصريحات وسط مخاوف متزايدة من اندلاع مواجهة بحرية في الخليج، خاصة مع اعتماد الأسواق العالمية بشكل كبير على حركة النفط عبر مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم.

 

إيران: حقوقنا غير قابلة للتفاوض

 

من جهته، شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على أن بلاده مستعدة “لكافة السيناريوهات”، مؤكدًا أن القوات المسلحة الإيرانية وصلت إلى أعلى مستويات الجاهزية.

 

وقال قاليباف إن الرد الإيراني على أي عدوان سيكون “مدروسًا وحاسمًا”، متوعدًا الخصوم بـ”مفاجآت ميدانية غير متوقعة”.

 

وأضاف أن أي مقاربة لا تعترف بحقوق الشعب الإيراني “محكوم عليها بالفشل”، مشيرًا إلى أن المقترح الإيراني المكون من 14 نقطة يمثل الحد الأدنى المقبول بالنسبة لطهران.

 

كما حذر من أن استمرار التردد الأمريكي سيؤدي إلى ارتفاع التكلفة على الولايات المتحدة نفسها، مؤكدًا أن “الاستراتيجيات الخاطئة تؤدي دائمًا إلى نتائج كارثية”.

 

المنطقة على حافة انفجار جديد

 

ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أخطر مراحل التوتر منذ سنوات، مع تصاعد المخاوف من انهيار كامل لمسار التفاوض وعودة الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران.

 

وتزداد المخاوف الدولية من أن يؤدي أي اشتباك عسكري في الخليج إلى تهديد إمدادات الطاقة العالمية وتعطيل الملاحة البحرية وجر قوى إقليمية أخرى إلى دائرة المواجهة، خصوصًا في ظل التحركات العسكرية المتزايدة والرسائل النارية المتبادلة بين الطرفين.

 

وبينما تؤكد واشنطن تمسكها بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، تصر طهران على أن حقوقها السيادية “غير قابلة للمساومة”، ما يجعل المنطقة تقف مجددًا فوق برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة.